بحث حول حضارة الصين
تعتبر الحضارة الصينية ، من أقدم الحضارات العالمية ، كما تعتبر من أكثر الحضارات استمرارية . وفي هذا الفصل سنحاول التعرف على البدايات الأولى لهذه الحضارة في عصر ما قبل التاريخ ، عن طريق التعرف على الملامح الكبرى لجغرافية بلاد الصين ، وعلى بدايات الإنسان فوق الأرض الصينية ، والتعرف على أنشطته الأولى وعلى تفاعله مع بيئته تفاعلا أنجب بدايات تلك الحضارة .
موقع وحدود الصين
تشكل جمهورية الصين الشعبية جزءا من المنطقة المعروفة باسم الشرق الأقصى ، إذ يتحدد موقعها في الجزء الشرقي من قارة آسيا وعلى الساحل الغربي للمحيط الهادي ، وتشغل مساحة شاسعة تمتد على حوالي 9،6 مليون كيلومتر مربع ، أي ما يعادل ربع مساحة القارة الأسيوية ، ويعادل 1/15 من مساحة يابسة العالم ، وهو ما يجعل من هذه الدولة إحدى أكبر دول العالم مساحة وامتدادا ، كما يجعل حدودها البرية بالغة الشساعة ، ( تتجاوز 20.000 كيلومتر) ، ويجعل ساحلها البحري ممتدا على مسافة 18000 كيلومتر ، مشكلا ، بذلك ، أحد أطول السواحل البحرية في العالم . كما يجعل هذا الامتداد البري والساحلي ، المترامي ، بلاد الصين تشترك الحدود مع عدد كبير من الدول وتطل على عدد آخر من جهة البحر .
وتطل الصين على أربعة بحار هي : بحر بوهاي والبحر الأصفر وبحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي . ويربط بين بعض هذه البحار ، عدد من المضايق ، منها مضيق بوهاي ، الرابط بين بحر بوهاي وبين البحر الأصفر ، ومضيق ملقا الذي يشكل أحد الممرات التي تربط بحر الصين الجنوبي بالمحيطين الهادي والهندي ، ويشكل ممرا رئيسيا بين الصين وبين الموانئ العالمية الرئيسية . وتتناثر في المياه الإقليمية الصينية الشاسعة ، أكثر من خمسة آلاف جزيرة ، مختلفة الأحجام ، وأكبر هذه الجزر جزيرة تايوان ، تأتي بعدها ، حجما ، جزيرة هاينان ، أما أكبر الأرخبيلات فهي مجموعة جزر تشوشان ، وتجمع الجزر الصغيرة والأرصفة الرملية والشُعب المرجانية في بحر الصين الجنوبي تحت اسم مشترك هو " جزر بحر الصين الجنوبي " . و يضاف إلى هذه الجزر مجموعة من الجزر الطميية ، أكبرها جزيرة تسونغمينغ ، الواقعة عند مصب نهر اليانغتسي ، والتي تبلغ مساحتها 1083 كيلومتر مربع .
طوبوغرافيا الصين
تغلب على طبوغرافيا بلاد الصين ، سمة التنوع والتعقيد ، وتتوزع مساحة البلاد تضاريسيا ، حسب النسب المائوية التالية :
الجبال 33 ٪
الهضاب 26 ٪
الأحواض 19 ٪
السهول 12 ٪
التلال 10 ٪
وكما يظهر من الجدول ، يطغى طابع الارتفاع على المشهد التضاريسي الصيني ، حيث تشغل الجبال حوالي ثلث مساحة البلاد ، مكونة ، بذلك ، الملمح الطوبوغرافي الرئيسي . ونظرة إلى الخريطة الطوبوغرافية تبين كيف تمتد السلاسل الجبلية في كل الاتجاهات بشكل متناثر على طول البلاد وعرضها ، فمعظمها يمتد من الغرب إلى الشرق ومن الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي ، بينما بعضها الآخر ، يمتد من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي ومن الشمال إلى الجنوب ، وأهم المرتفعات الجبلية هي الواقعة في الغرب ، حيث يوجد القسم الصيني من جبال الهيمالايا أما في الشرق فالقمم الجبلية أقل ارتفاعا . وأبرز القمم الجبلية الصينية تقع في القسم الصيني من جبال الهيمالايا ، ومن بينها قمة جولمولانغما وجبال كونلون وجبال تيانشان وجبال شينغآن الغربية وجبال ينشآن وجبال تيشنيلينغ وجبال نانلينغ وجبال هنغدوان .
وتنتشر التلال عبر العديد من مناطق الصين ، إلا أن أهم المناطق التلية تتمركز في الشرق والجنوب الشرقي ( أهم المناطق التلية هي : تلال لياوشونغ ولياوشي ـ تلال شاندونغ ـ تلال جيانغنان ـ تلال تشجيانغ ، فوجيان ـ تلال قوانغدونغ ، قوانغتشي .
بينما الهضاب متناثرة عبر البلاد ومتداخلة ، وتحتل المكانة الثانية في المشهد الطوبوغرافي الصيني ، بامتدادها فوق حوالي ربع مساحة البلاد . وأهم مناطق انتشار هذا النوع من التضاريس ، هو القسم الغربي والقسم الأوسط من بلاد الصين . وأبرزها هضبة تشينغهاي/ التبت ، وهضبة منغوليا الداخلية ، وهضبة اللوس ، وهضبة يوننان/ قويتشو .
أما السهول فتتمركز في الشمال الشرقي وفي شرقي المنطقة الساحلية ، وتشغل مساحة تتجاوز مليون كيلومتر مربع بقليل ( 1،12 مليون كيلومتر مربع) ، وأهم هذه السهول هي سهل شمال الشرق ، وسهل شمال الصين ، وسهل مجرى نهر اليانغتسي الأوسط/ الأسفل . وتمتد الصحاري الصينية على مساحة قريبة من مساحة السهول (1،09 مليون كيلومتر مربع) ، وأغلب هذه الصحاري رملية . ومعظم الصحاري الصينية تقع في شينجيانغ وتشينغهاي وقانسو ومنغوليا الداخلية وشنشي بشمال غرب وغرب الصين . وأكبر صحاري الصين هي صحراء تاكلامكان .
المناخ والشبكة المائية لصين
لا يختلف المناخ في الصين عن التضاريس ، من حيث التنوع والتعقيد لأسباب تعود إلى الموقع الجغرافي وطبيعة الطوبوغرافيا ، وكذا ، إلى الرياح الموسمية التي تتعرض لها البلاد . فالمناخ بالصين يتأثر بهبوب الرياح الموسمية الحاملة للأمطار صيفا ، ويتميز بالتباين وبطغيان الطابع القاري على أغلب المناطق . وتبعا لهذا الوضع ، يتميز المناخ بالبرودة والجفاف مع هبوب الرياح الشمالية شتاء ، كما يتميز بالحرارة والرطوبة مع استمرار هبوب الرياح الجنوبية ونزول الأمطار الغزيرة صيفا . ويقسم الجغرافيون الصين من الشمال إلى الجنوب ، من الناحية المناخية ، إلى خمس مناطق هي : المنطقة المعتدلة الباردة والمنطقة المعتدلة المتوسطة والمنطقة المعتدلة الدافئة والمنطقة شبه الاستوائية والمنطقة الاستوائية . كما يحددون موقع أغلب الأراضي الصينية ، مناخيا ، ضمن المنطقة الاستوائية والمنطقة الدافئة . وبالقياس إلى نزول الأمطار ، يقسمون الصين ، من الجنوب الشرقي إلى الشمال الغربي ، إلى أربع مناطق هي : المناطق الرطبة ، والمناطق شبه الرطبة ، والمناطق شبه الجافة ، والمناطق الجافة .
وبخصوص الأمطار يتلقى الجنوب الشرقي سنويا ، كميات مطرية أغزر من الكميات التي يتلقاها الشمال الغربي ، والفصل المطير هو فصل الصيف ، كما أن كمية الأمطار تختلف بين سنة وأخرى . وتتناقص الأمطار ، إقليميا ، كلما اتجهنا من الجنوب الشرقي نحو الشمال الغربي ، كما تتناقص كلما ابتعدنا عن الساحل . ومن المظاهر الكبرى لتعقيد المناخ بالصين عدم توازن الفصول بين مختلف الأقاليم ، فمقابل بعض المناطق التي تعيش تميزا واضحا بين فصول السنة الأربعة ، تقتصر الفصول في مناطق على ثلاثة فقط ، بينما مناطق أخرى تعيش فصلا واحدا طيلة السنة يمثله فصل الشتاء في بعضها ، وفصل الصيف ، في بعض آخر أخرى ، كما تعرف بعض المناطق دوام فصل الربيع . وتتعرض الصين ، بين شهر ماي وشهر دجنبر لرياح إعصارية قوية .
وفيما يخص الشبكة المائية ، تعتبر الصين بلدا كثير الأنهار ، ومعظم الأنهار الصينية تصب في المحيط الهادي، بينما يصب بعضها في المحيط الهندي ، وبعضها الآخر في المحيط المتجمد الشمالي ، أو في البحيرات الداخلية ، أو تختفي في الصحراء والأراضي الملحية . وأهم الأنهار الصينية هي : نهر اليانغتسي ، وهو أطول أنهار الصين( يبلغ طوله 3600 كيلومتر ) ، و النهر الأصفر ( 5464 كيلومتر ) ، بالإضافة إلى أنهار أخرى ، مثل نهر هيلونغ ونهر تاريم ونهر تشومار ...
الإنسان الصيني الأول
تتوزع الأجوبة حول أصل وجود الإنسان والكون ، عموما ، بين ثلاثة مصادر هي تمثلات الإنسان لأسباب هذا الوجود وشروطه ، من خلال ما أبدعه من أساطير ، وتفسير الديانات السماوية الموجود في الكتب المرتبطة بها ، ثم الأبحاث والتنقيبات العلمية ، التي يقوم بها علماء الآثار ، والمؤطرة ، في غالبها ، بنظرية التطور التي تعتبر الإنسان إبنا للطبيعة .
