خلاصات البحث الأثري حول بداية الإنسان بالصين


خلاصات البحث الأثري حول بداية الإنسان بالصين 



رغم أن أغلب الباحثين في علم الآثار في العالم يرون أن إفريقيا الشرقية هي مهد الإنسان الأول ، وأنه هاجر من هناك إلى أوربا وآسيا ، فإن الباحثين الصينيين يذهبون إلى القول بعدم وجود دليل على أن أسلاف الأمة الصينية قدموا من خارج الصين  . وبناء عليه يعتبرون الصين أحد مواطن الإنسان الأول حيث عاش أجداد الصينيين ، ويعززون قولهم بنتائج الحفريات التي كشفت عن آثار أولئك الأجداد في عدد من المواقع الأثرية  ، ومنها العدد العديد من الأحافير التي شملت الجماجم وعظام الوجنات وعظام الفك العلوي ، والأسنان والترقوات وعظام الأطراف ... لنماذج من الإنسان القديم . وتعود أول مكتشفات الصينيين لأحافير الإنسان القديم إلى نهاية عشرينيات القرن العشرين ، كما شكلت ستينيات وثمانينيات القرن ذاته محطات مهمة في هذا الباب .

ويعتبر " إنسان يوانمو " أقدم إنسان بدائي عثر الباحثون الصينيون على بعض الأحافير الخاصة به ، ففي سنة  1965 ، تم العثور من قبل الأنتربولوجيين الصينيين في محافظة يوانمو  على أسنان متحجرة ، حددوا أن صاحبها عاش قبل حوالي 1.700.000  سنة ، وهو أقدم إنسان توصلت إليه الأبحاث الصينية ، لحد الآن ، وإلى جانب تلك الأسنان اكتشف الباحثون عظاما لبعض الحيوانات ، وبعض الدلائل المحتملة على استخدام النار  .
وقبل اكتشاف أحفور إنسان يوانمو بسنتين ، كان الباحثون الصينيون قد توصلوا إلى اكتشاف أحفور بمحافظة لانتيان  ، اصطلح عليه بـ " إنسان لانتيان " ، وتم تحديد الفترة التي عاش فيها ما بين 800 ألف سنة و 600 ألف سنة تقريبا ، مما يجعله في ترتيب الأقدمية بعد إنسان يوانمو  .

ويعتبر اكتشاف " إنسان بكين " سنة 1929  ، أهم اكتشاف صيني لأحافير البشر القديم ، ليس باعتباره أول اكتشاف ، في هذا الباب ، فقط ، بل كذلك بسبب مكانة اكتشافه وإسهامه في جهود البحث الأثري المتعلق بماضي الإنسان ، وكذلك ، بسبب تعدد الأحافير التي عثر عليها لهذا الإنسان ، منفصلة عن بعضها ، منذ الاكتشاف الأول ، والتي وفرت للعلماء شروط تكوين صورة تقريبية حول هذا الإنسان .

ومن خلال الصورة المستخلصة ، ينتمي إنسان بكين إلى فصيلة الإنسان القرد ، أو الإنسان المنتصب ، مع بعض المميزات الخاصة ، وعاش في الفترة المتراوحة بين ما قبل 500 ألف سنة و 200 ألف سنة . ومن بين مميزاته ، لاحظ العلماء أن عظام الفك والأسنان لدى هذا الإنسان ، أصغر منها لدى نظرائه من الفصيلة التي ينتمي إليها ، وحجم دماغه أكبر من حجم دماغها ، كما أن حجم وشكل ونسبة عظام أطرافه الأربعة ، تشبه نظيرتها لدى الإنسان الحديث  . ومن حيث الخواص التشريحية ، يحمل رأس إنسان بكين ، جبهة منخفضة مع عظمين غليظين متصلين فوق العينين ، وأنف أفطس عريض ، وفم ناتئ ، ووجنتان بارزتان ، وجمجمة سميكة تصغر جمجمة الإنسان الحديث . أما أطرافه ، فيسجل العلماء ، أنه ورغم أن رجليه ظلتا غير تامتي الاستقامة ، فإن التطور الذي حصل في أطرافه الأربعة ، نتيجة الاعتماد عليها في العمل والحركة ، مكنه من توظيفها في عملية الوصول إلى حاجاته ، كما أن ذلك التطور انعكس على الرأس والدماغ ، وكل هذا جعل إنسان بكين يتميز عن القرد البشري  ، كما سبقت الإشارة . وفي إطار عمليات مكافحة الطبيعة ، طرأت تحولات وتطورات عن الإنسان المنتصب ، كان من نتائجها خصائص ومميزات جديدة صنف على إثرها العلماء خلف الإنسان المنتصب في خانة  " الإنسان العاقل " ، أو الحديث . ومن أشهر النماذج في هذا السياق ، النموذج الذي أطلق عليه اسم " إنسان الكهف الأعلى "  ، الذي تخلص من الخصائص الجسدية للإنسان القرد ، والذي ارتقت أدواته الحجرية إلى مرتبة من الإتقان  تفوقت على أدوات إنسان بكين ، وأظهر عن قدرات لم تكن لسابقه ، كذلك ، حيث مارس الحفر والنحت وخياطة الملابس من الجلود بإبر عظمية ، كما توصل إلى عمليات التقشير والسلخ  والصقل ، وأضاف إلى الاقتيات بالنباتات والحيوانات البرية ، استهلاك السمك وغيره من الأحياء المائية ، وعوض الاقتصار على الاحتفاظ بالنار ، تعلم كيف يستوقدها  . وبالإضافة إلى متحجرات " إنسان الكهف العالي "  ، اكتشف الباحثون الأثريون الصينيون العديد من المتحجرات التي يعود تاريخها إلى الفترة التي عاش فيها الإنسان البدائي العاقل ، مثل " إنسان مابا " ، و " إنسان تشانغيانغ " ، و " إنسان دينستون "  .

   حياة الإنسان البدائي الصيني


 من اسنتاجات العلماء ، فيما يخص حياة إنسان بكين وسبل معيشته ، اعتمادا على أدواته الحجرية ومتحجرات الحيوانات في كهوفه ، أنه عاش في ظروف قاسية ، واجه فيها تقلبات الطبيعة واعتداء الحيوانات المفترسة ، إضافة إلى الجهد المبدول بحثا عن الغذاء اللازم ، وهو ما ساهم في قصر أمد الحياة لديه ، و في هذه الحياة تمكن من صنع أدوات بسيطة ، استعملها في الجني والقنص ، تنتمي إلى الحقبة المبكرة من العصر الحجري القديم ، فقد كانت هذه الأدوات مصنوعة من الحجر ، أساسا ، وبعضها كان مصنوعا من الخشب أو من العظام ، كما تبين تلك الأدوات أن إنسان بكين ، عرف كيف يصدم كتلتين من الحجر من أجل تجزيء الأحجار إلى عدد كبير من الشظايا الصغيرة ، في سبيل استخدامها في صنع مختلف أدواته ، وتبين كيف كانت أغلب الأدوات مصقولة أو منحوتة بواسطة شظايا حادة من الحجر ، تستعمل في الكشط والنحت وفي صنع الأدوات المدببة ، وفي توسيع الثقوب وتشكيل الهراوات ودبابيس القنص الخشبية ، وكذا لتشريح وتقطيع أجساد الحيوانات . وتبين هذه الأدوات أن إنسان بكين كان يختلف كثيرا عن الحيوانات وأنه قطع أشواطا كبيرة في طريق التطور البشري  .

 ومثل القنص والقطف الأنشطة الرئيسية للإنتاج لدى إنسان بكين ، وتدل المعطيات الأثرية ، أن الأيل كان طريدته الأساسية ، حسب ما وفرته المعطيات.  
وكان استخدام النار من أهم الاكتشافات التي توصل إليها إنسان بكين ، حيث دلت كميات الرماد التي تم اكتشافها في بعض الركام مختلطة ببقايا عظام للحيوانات ، وأحجار محترقة ، وبقايا فحم خشبي في مناطق سكنه ، أنه توصل إلى  اقتباس النار  من الغابات المحترقة بفعل الصواعق والاحتفاظ بها ، وأنه استخدمها للحصول على الطعام الذي سهل عملية الهضم لديه ، كما استخدمها للإضاءة والتدفئة ، ولطرد الحيوانات الضارية .

وبسبب بساطة أدوات إنسان بكين ، وعدم كفايتها تعذر عليه الحصول على قوته بطريقة انفرادية ، فكان يتحرك ، نهارا ، بشكل جماعي  ، لتأمين سلامته وتأمين تنقلاته من أجل عمليات الجمع و القنص ، قبل أن يعود إلى مهاجعه في الكهوف الجبلية ، وهي المهاجع التي كانت تحميها مشاعل النار من هجوم الوحوش .  وعبر العمل الجماعي ، تعلم إنسان بكين ، كيف يعبر عن مشاعره ويتبادل الأفكار ، فيما بينه ، بأصوات لغوية بسيطة ، وبإيماءات تسهل عمليات التواصل .  وإذا كانت لغة التفاهم التي فرضها العمل الجماعي ، لدى إنسان بكين ، قد ساهمت في تحقيق نوع من التواصل بين أفراد القطيع الذي ينتمي إليه ، فإنها ساهمت ، كذلك ، في تطوره البشري ، فسرعت من تطور جسده وأثرت على نمو دماغه ، بشكل ساهم في تطور فكره  .

أما إنسان " الكهف العالي " ، فتبين خلاصات الباحثين ، أنه أضاف إلى غذائه المبني على النباتات والحيوانات البرية ، غذاء جديدا تمثل في السمك وغيره من الأحياء المائية  ، وأنه تجاوز أسلافه من خلال التجارب التي اكتسبها عن طريق العمل ، وأنه كان يتوفر على قدرات فاقت قدرات إنسان بكين ، كفاءة وأهلية ، عكستها أدواته التي كانت أحدث من أدوات إنسان بكين ، وأكثر إتقانا وتميزا منها  مثلثها أدواته الحجرية الأكثر دقة ، والمصنوعة بطريقة الطرق والصقل البدائي ، مثل سكين القطع ذو الحد المائل ، وكرات الحجر ، كما مثلتها الحلي وأدوات الزينة ، التي استعملها والتي مثلتها مجوهرات من الحجر ومن الحصى وأصداف المحار ، والتي صبغ بعضها بواسطة الهيماتيت ( أو حجر الدم )   كما تجلت في اهتدائه إلى تقنية الحفر والنحت وخياطة الملابس من جلود الحيوانات ، بواسطة إبرة مصنوعة من العظام ، و اهتدائه إلى عمليات التقشير والسلخ . وفي سياق هذا النوع من التطور لدى إنسان الكهف الأعلى ، كشفت الأبحاث عن وصول فكره إلى مستوى بدأ معه تكوين مفاهيم دينية بدائية مشوبة بالخرافة وبأفكار تتجاوز الوجود الواقعي .
تعليقات