تاريخ المقاومة الفصل السادس

تاريخ المقاومة في المغرب شعبة التاريخ والحضارة الفصل السادس


تقديم.
عاش المغرب الأقصى إبان القرن التاسع عشر، مجموعة من التحولات التي فرضها عليه الواقع السياسي أنداك، إذ وجد في مواجهة  المد الاستعماري الذي كان يداهمه من جميع الجهات، وقد ازداد تهديد الاستعمار لوحدة المغرب و سيادته باحتلال فرنسا للجزائر عام 1930 فاحتلالها كما يري العروي  لا يمثل قطيعة في حياة الجزائر فقط بل تأثر بأحداثه المغرب كله.
  لقد كان المغرب جزءا من المشروع الفرنسي الهادف إلى إنشاء إمبراطورية استعمارية فرنسية في شمال و غرب إفريقيا، لذلك حاولت تطويقه من جميع الجهات، فقد عزلته عن السودان الغربي من جهة الجنوب حيث تمكنت من احتلال تخوم  المغرب منذ نزولها بالسنغال في منتصف القرن التامن عشر. وامتدادها ببطء طيلة قرن و نصف نحو الشرق لتحتل مدينة " تمبكتو" سنة 1894.
بعدها حاولت فرنسا تطويقه من جهة الشرق بالعنف في معركة " إيسلي"، لأن هذا العنف أرغمه إلى قبول اتفاقية الحدود" للالة مغنية "1845التي ارتكزت عليها سياسة الحدود،ومنذ أواخر القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين، دخل المغرب عشرية المخاطر جمعاء، حيث بلغ التدخل الفرنسي و تطويقه المغرب قمة أوجه، فقد حاولت فرنسا تطويقه من جهة الشرق باحتلال "توات" و "وجدة"، و كذا من جهة الغرب باحتلال بعض الموانئ الأطلسية "كالدار البيضاء"  و "منطقة الشاوية" لتضع "فاس" العاصمة بين فكي ملقط.

 فرنسا وتطويق المغرب من جهة الشرق.


1-أهمية التوات في مشروع التوسيع الفرنسي


   حظي الجنوب الشرقي المغربي بأهمية خاصة في سياسة التوسع الفرنسي في شمال إفريقيا ،فالوضع الجغرافي المتميز للمنطقة بالنسبة للمسالك الرابطة بين شمال الصحراء و جنوبها ،فالمسلك المار بواد زوزفانة (جنوب فكيك و واد الساورة وواحات توات )يعتبر من أكثر المسالك سهولة لاجتياز الحاجز الرملي الضخم المعروف بالعرق الغربي الكبير . لقد كانت فرنسا في خمسينيات القرن التاسع عشر قد بدأت في الحديث عن تطوير العلاقات التجارية البرية بين الجزائر و غرب إفريقيا بل توحيد الجزائر مع مستعمرة السنغال .فاتخذ بذلك الحاكم العام راندون (1859-1851) الإجراءات لاجتذاب التجارة الصحراوية إلى مستعمرة الجزائر .وبما أن توات تعتبر بحق حلقة وصل بين المغرب و الجزائر و جنوب الصحراء .فقد جعلت من احتلالها أمرا ضروريا لاستكمال السيطرة على الشمال الإفريقي و الصحراء ووسط غرب إفريقيا .

2-معاهدة لالة مغنية ودورها في تسهيل التوغل الفرنسي :


بعد انهزام المغرب في موقعة ايسلي ،وقع مع فرنسا معاهدة لالة مغنية (ماي 1845)التي رسمت الحدود بين البلدين ،فكانت بنودها غامضة أكثر من أية معاهدة أخرى .فقد اقتصر التحديد فيما بين البحر وثنية الساسي ،وتقع بضع كلمترات شمال شرق البلدة المغربية الحالية "عين بني مطهر" .أما جنوب تلك النقطة فلم تعين الاتفاقية إلا بعض القرى و القبائل بأنها مغربية أو جزائرية. فقد صرحت الاتفاقية بأن فكيك و إيش مغربيتان .و كذلك قبائل العمور التي كانت ترعى جزءا من السنة في منطقة عين الصفراء ، و عين الصفراء نفسها وست قرى أخرى في المنطقة المجاورة اعتبرت جزائرية .كما اتفق الطرفان المتعاهدان على حقهما في متابعة القبائل التابعة لسلطتهما في هذه" الأرض العازلة".
فقد منحت هذه الاتفاقية فرنسا حق التدخل في المغرب الشرقي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بذريعة متابعة المتمردين مثل :"بني يزناسن" سنة 1859،"أولاد سيدي الشيخ" 1870-1864،"بو عمامة" 1881....

 احتلال توات (مراحله و مظاهره)


مراحل الاستكشاف :


لقد كان من سياسة فرنسا التوسعية القيام بمجموعة من الدراسات الاستكشافية للمنطقة المستهدفة ،وقد كانت التوات و الجنوب الشرقي عامة من بين المناطق التي حظيت بدراسة مفصلة ،وقد كان المستكشف الألماني" جيرارد رولفس "أول من نشر تقريرا مفصلا عن جنوب شرق المغرب ،فقد زار تافيلالت و القنادسة و فكيك و التوات ،وقد أثارت رحلته اهتمام أوروبا ببلادنا لم تكن معروفة من قبل و ألقت الأضواء على أهلها. و في 1850 أقيم في الغرب الجزائري مركز" جريفيل" حيث كانت بعض بعثات الاستطلاع تذهب من "جريفيل" إلى نواحي فكيك لجمع المعلومات الجغرافية و العلمية .
وبعد سنة 1878(نهاية الحرب الفرنسية –البروسية )بدأ الاهتمام الجدي و التوسع الاستعماري يظهر شيئا فشيئا بفضل عمل مجموعة من المتحمسين أساسا من بينهم الصحافيون ،المستكشفون و أعضاء الجمعية الجغرافية و برلمانيون في الجمعية العامة . إذ كان الهدف المنشود هو التعرف بدق على جغرافية المنطقة و سكانها و استقطاب أهالي الواحات و القبائل الرحل للخضوع تلقائيا للنفوذ الفرنسي .

الواجهة الدبلوماسية :


حيث كان على الساسة الفرنسيين إقناع الدول الغربية المهتمة بالمسألة المغربية بضرورة الفصل بين هذه المسألة و قضية توات و الإثبات بذرائع مختلفة أن التوات تقع في الامتداد الطبيعي للجنوب الوهراني،و أنها لم تعد في القرن 19 تتبع أي سلطة . و بالفعل نجحت الدبلوماسية الفرنسية الفرنسية في مسعاها الذي كانت نتائجه الملموسة معاهدة 1890مع بريطانيا اعترفت فيها الأخيرة بوجود توات ضمن مجال النفوذ الفرنسي وفي 21 مارس 1899 استطاعت فرنسا أن تضغط على بريطانيا بفضل جبهة ثلاثية (فرنسا –اسبانيا –روسيا) وتتوصل معها إلى اتفاق حول نيل الأعلى و توات و هو الاتفاق الذي أكد و حدد بوضوح صيغة اتفاق 5 غشت 1890 الذي سبق أن ذكرناه.

التدخل العسكري :


في الشهر الأخير من سنة 1899 حل الوقت المناسب الذي تكلم عنه وزير الخارجية الفرنسي "ريبو" من أجل احتلال توات ،عندما أصبحت بريطانيا في حرب بوير بجنوب إفريقيا 1899.أنذاك وافقت الحكومة الفرنسية  على العملية العسكرية على توات .و لم يضيع الجيش وقته حتى يجد مبررا ففي دجنبر 1899هوجمت بعثة جيولوجية فرنسية كانت تعمل قرب عين صالح من طرف الطوارق،فأسرعت بعثة عسكرية بقيادة القبطان "بين" الذي دخل أحد قصور عين صالح وهو القصر الكبير و بذلك كانت عين صالح التي تعتبر عاصمة القصور "تيدكلت"أول واحة تسقط خلال الهجوم الكاسح لاحتلال توات كلها . وفي شهر مارس 1900 توجه فيلقان عسكريان من الجيش الفرنسي اتجاه توات، الفيلق الأول توجه عبر الطريق الشرقي في اتجاه عين صالح لتدعيم الاستقرار الفرنسي بها نهائيا.و الثاني توجه نحو الطريق الغربي في اتجاه إيغلي و سيطر على المركز الجغرافي المهم الذي يلتقي فيه واد كير بواد الساورة . ويعتبر احتلال إيغلي ضروريا أكثر في الإستراتيجية الكبرى لأنه عمل على فصل توات عن الاتصال بالمغرب و تطويقها بصفة تامة ،ومنذ بداية شهر ماي من نفس العام توالت الحملات العسكرية الفرنسي على بقية الواحات حيث سقطت تيميمون في 17 ماي و بالتالي أصبح الفرنسيون يسيطرون على عين صالح وتيدكلت و إيغلي و تميمون و كورارة و بذلك أصبح المركز الأوسط من واحات توات في يدهم .

التدخل في وجدة.


ظلت مدينة وجدة رمزا لصمود الدولة المغربية في وجه الضغوط الفرنسية المتوالية طيلة القرن التاسع عشر و تعتبر كذلك ثغرا من الثغور المواجهة لتحديات الأجانب فرغم موقعها على الحدود الجزائرية المغربية ورغم تواجد الفرنسيين على مسافة قريبة منها ،فقد ظل سكانها محافظين على استقلال بلادهم معارضين لكل تدخل فرنسي مهما كان شكله ،و كان عامل المدينة دائما هو الذي يجسم الروح الوطنية .وآخر عامل أظهر معارضته للأطماع التوسعية على حساب وجدة هو "أحمد بن كروم " الذي قدمت ضده شكاوى عديدة من طرف حكومة الجزائر العامة بزعامة جوني ،وقد كانت تلك الشكاوى من مبررات احتلال المدينة سنة 1907م.

دوافع احتلال وجدة سنة 1907م. 


لقد عملت فرنسا منذ احتلالها للجزائر على خلق عدد من الأسباب التي بررت بها تدفق جيوشها على مدينة وجدة. فمن أبزر تلك الأسباب: إذكاء النزاعات بين القبائل الشرقية و إثارة الاضطرابات الداخلية و تشجيع الحركات المناوءة للمخزن ،بهدف خلق حالة من الفوضى على طول لحدود الشرقية ،ومن ذلك على سبيل المثال حركة الجلالي الزرهوني (بوحمارة)،وما ترتب عنها من انعكاسات خطيرة على المغرب عموما ،و على المناطق الشرقية خصوصاويلخص "بلحسن الحجوي "الوضعية جيدا حيث يقول :"إن حالة العسكر تعسة ، وفي بعض الأيام لما كلفت بالتفتيش وجدت عددا من المرضى في حالة مزرية و الجوع يأكل أمعاءهم ولا خير لهم إنما هم ملقون على قارعة الطريق "  ومن الناحية الاقتصادية عملت فرنسا على فرض تبعية التجارية و نقدية شبه تامة على المنطقة الشرقية، أدت إلى إضعافها و وإنهاك قواها كمرحلة أولى نحو إحكام القبضة بشكل نهائي عليها .حيث بدأت السلطات الفرنسية بتزويد مدينة وجدة و ناحيتها المعزولة عن البلاد بجميع ما تحتاج إليه من مواد استهلاكية أساسية عن طريق مدينة وهران ،مقابل تزويد الغرب الجزائري  بمنتجات المغرب الشرقي الفلاحية من حبوب و أغنام . ثم في مرحلة ثانية ،و ابتداءا من غشت 1906م،قررت الأوساط الاستعمارية ضرب حصار العسكر واقتصادي شديد على وجدة و نواحيها ، قصد إيقاف المبادلات التجارية بين المدينة و الغرب الجزائري من أجل تجويع السكان و إرغامهم على الرضوخ لمطامعها .مستغلة كما أشرنا الوضع المزري الذي خلفه حصار بوحمارة . بالإضافة إلى هذا ، فقد حدث ارتفاع مهول في الأسعار، نتيجة قلة البضائع من جهة و القضاء على العملة المحلية الريال ، الذي حل محله الفرنك الفرنسي . ويصف الحجوي انهيار العملة المحلية قائلا:صار الريال يساوي ثلاث أرباع الريال فضة ...وما انتهى شهر حتى صار الريال بنصف ريال فضة... ثم صار لا يساوي شيئا".

أ- مؤتمر الجريرة الخضراء ودوره في احتلال وجدة


كان مؤتمر الجزيرة الخضراء 1906م الذي قبلته فرنسا مرغمة، والذي كان المغرب ينتظر منه تدويل مسألته السياسية للابتعاد من شبح السيطرة الفرنسية علية قد أعطى لفرنسا امتيازات اعتبرها زعماء الاستعمار مكاسب هامة للتدخل السلمي في المغرب ،حيث لم يهتموا إلا بمصالحهم المادية و السياسية ،في حين تجاهلوا رغبة الشعب المغربي في مساعدته على النهوض دون الإساءة لاستغلاله و السيادة أراضيه وهي رغبة عبر عنها المغاربة بوضوح كبير عندما أفشلوا مشروع "سان روفي طايندي "في مايو 1905م ،و كلن من أهم نقط هذا المشروع ،بسط النفوذ الفرنسي على مدينة وجدة . و بمجرد إعلان نتائج المؤتمر حدث تغير عميق في عواطف المغاربة إزاء الفرنسيين الذين حصلوا على ما يسمى ب"المصلحة الخاصة " لهم بالمغرب فبدؤوا يتعرضون للمضايقات و الاختطاف بل والقتل وكان ذلك تعبيرا من المغاربة عن رفضهم للاحتلال و تحديا للفرنسيين .

 ب- دور جونارط و الضغط العسكري في احتلال وجدة :


وجدت فرنسا في كل حوادث الاختطاف و المضايقات و القتل التي يتعرض لها الفرنسيون بالبلاد ذريعة لنهج سيقفضغاسة جديدة تميزت بمضاعفة الضغوط على المغرب،واقترنت هذه السياسة بتولي رينيو رئاسة المفوضية الفرنسية بطنجة ،و الذي كان يدعو إلى ممارسة مزيد من الضغط على المغرب للافضاعه .هذا مناصفة مع حاكم الجزائر العام  جونارط الذي لم يفتأ هو الآخر يطالب بحرية تحرك الجيش الفرنسي عبر الحدود المغربية و احتلال المناطق الإستراتيجية في هذه الحدود و أهمها مدينة وجدة.
وقد سلك جونارط منذ 1905م، سياسة تعتمد تجاهل السلطات المغربية ،و التعامل مع بوحمارة ،و تشجيع عناصر الفتنة في حدود كالطيب ولد بوحمارة .ثم الضغط على الجيش المغربي عن طريق حجز الأسلحة الموجهة إليه بحرا من طنجة و تشجيع الشركات الفرنسية على التعامل مع بوحمارة ،اتفاق و بذل الأموال لكسب بعض العملاء.

ج- المضايقات التي تعرض لها الفرنسيون:


رغم أن المغاربة أخذوا يحتاطون و يبتعدون عن الأوروبيين ، خوفا من المطالبات الخيالية بالتعويض عن كل حادث حقيقي أو مصطنع ،طالب أزان وموجان . بتعويضات و بسجن مغاربة ادعيا أنهم أساء و أوليهما في سوق الغزل بوجدة ،فسجن المغاربة وقدم العامل اعتذاره .وقد علق أزان بقولة :"إن هذا التصرف كان ضروريا للمحافظة على الهيبة الفرنسية في أعين السكان ".
و في مقابل هذه التصرفات تعرض أحد العملاء التجاريين إلى الجرح بحوز مراكش وهو لاسالاس ،و قتل أخر بطنجة وهو شاربوني  يوم 27 مايوكرنكور. 1906م و تعرض ثالث للهجوم بفاس وهو كرنكور .
وهكذا أرسل الأسطول الفرنسي لميناء طنجة ،و ذهب قائده مع السفير الفرنسي ، للنائب السلطاني الحاج محمد الطريس، ووجها له تهديدا على لسان دولتهم مصحوبا بمطالب مستعجلة يجب على المخزن تنفيذها وإلا التجأت فرنسا إلى ارتكاب ما يكدر الخواطر .
و المطالب المشار إليها هي :
-يتعهد المخزن بالبحث عن القاتل ومن معه، ليقتل و يسجن المشاركون.
- دفع تعويض قدره 100 ألف فرنك.
- تقديم الموظفين المغاربة بطنجة الاعتذار للسفير الفرنسي .
- تخصيص موضع لبناء تذكار للقتيل في عين المكان.
- إطلاق سراح الطيب ولد بوحمارة و تسليمه سالما للفرنسيين بطنجة .
كل من هذه العوامل أفضت إلى تضرر و تفقير الجماهير الشعبية بالمنطقة ، وهكذا لم يبقى لفرنسا سوى البحث عن ذريعة للاحتلال وجدة وجدتها في مقتل الطبيب الجاسوس موشان بمراكش حيث استغلت فرنسا هذا الحدث للإثارة الرأي العام الأوروبي ضد المغرب، و تبرير سيطرتها على جزء من ترابه الذي كانت تتطلع إلى احتلاله منذ مدة طويلة.

د- أسباب و نتائج قتل موشان بمراكش 


اعتقدت الحكومة الفرنسية أن من أنجع الوسائل التدخل السلمي باستخدام المستوصفات وهكذا أسس مستوصف بمراكش في أواخر 1905م،وأسندت مهمته للطبيب موشان ،الذي كان عمله في حقيقة الأمر يتلخص في القيام بقليل من الطب و الكثير من السياسة وفي سنة 1907م،حاول موشان أن يوسع نشاطه السياسي ،فذهب لفرنسا ،و التقى بوزير الخارجية وطلب منه القيام بعمل عاجل و حازم ضد المغرب لإرغام المغاربة على قبول النفوذ الفرنسي و تدعيم الهيبة الفرنسية فصقت معه في عودته زميله للقيام بدراسات تهدف للتعرف على أراضى المغربية .
واستقبل موشان و زميله بكراهية من طرف السكان الذين رموهما بالحجارة ،متهمين إياهما بكونهما جاسوسين جاءا للإطلاع على عورات البلاد .وفي هذا الجو المتوتر أقدم موشان على تعليق بعض الأدوات فوق منزله اعتبرها سكان مراكش أدوات للتلغراف اللاسلكي ،في حين اعتبرها المخزن مجرد راية لبلاده .ومهما يكن الأمر ،فقد أمر بإزالتها ما أحدث من طرف حشد من السكان ،ثم تطور الخلاف إلى هجوم الجمهور الغاضب على الطبيب موشان و قتله . فكانت حادثة مقتل موشان بمثابة الضربة التي قسمت ظهر البعير ،وهكذا فلها علمت الأوساط الاستعمارية بالحادث، انطلقت حملة دعائية مضادة للمغرب منددة بالحادث و محملة المخزن المسؤولية و داعية للعقاب .

 دخول الحملة الفرنسية إلى وجدة :


إن الأمر باحتلال وجدة وصل يوم الاثنين 25مارس1907م إلى الجزائر العاصمة ،إلى قائد الفيلق رقم 19، وبما أن الجنرال سيرفيير كان خارجا في جولة عسكرية فان قائده في القيادة العليا أبرق إلى الجنرال ليوطي بوهران لكي يبعث لهم باقتراحاته حول الموضوع،إلا أن اليوطي بدأ فورا باتخاذ الإجراءات اللازمة للحملة ، وبلغ الخبر إلى علم المخزن في 27من مارس فبادر الحاج محمد الطريس إلى إخبار كبير المحلة بعمالة وجدة بالأمر الواقع و أكد عليه ليكون" على بال مما عسى أن يصدر من الجوار من التشويش و الترويج" .
خرج الجيش الفرنسي من تلمسان في اتجاه مدينة وجدة ،ومر بعدد من القرى أهمها قرية للامغنية حيث قضت بها الحملة ليلة كاملة قبل أن تتابع طريقها . وعند صبيحة يوم الجمعة 29مارس 1907م وقع احتلال وجدة عكاشة برحاب من غير مقابلة و لا مشاغبة، بجيش كامل التجهيز قوامه 5000 من المشاة ، و2000 من الفرسان ،و حشد من الموظفين و الصحفيين وضباط الفرسان و الخيالة و القوات المساعدة الجزائرية المرابطة في وهران ، و كان الجنود يحملون سلاحا جيدا للحرب ،أما المدافع فكانت محمولة فوق العربات وأثناء الطريق كان الجنود يسمعون بروح عالية واثقين من نجاح العملية التي هم مقبلين على تنفيذها ،و نستشف ذلك من قول أحد الصحفيين الذي يدعى .... والذي رافق الحملة حيث يقول "هؤلاء الجنود بدا عليهم الابتهاج، و أعطوا صورة لجماعة منضبطة، لم أسجل أثر لجنود المتأخرين أو تائهين أو رجال مرهقين أو متعبين، كما نرى أحيانا في بعض الأقطار حيث يكون سلك الجندية فاقد للنظام". وقبل وقوع الاحتلال بساعات قلائل ،أشعرت السلطات الفرنسية عامل المدينة بالأمر و حذرته من كل مقاومة وألزمته بطمأنة السكان و تهدئ روعهم و خرج العامل صحبة أعيان المدينة لاستقبال الجنرال اليوطي و قائد الجيوش الغازية.
دخل الجيش الفرنسي إلى وجدة صباح الجمعة 29مارس 1907 حوالي الساعة العاشرة صباحا عبر باب سيدي عبد الوهاب متجها رأسا إلى القصبة حيث مقر السلطة المغربية ،وأول عمل قاموا به هو نصب العلم الفرنسي فوق صومعة المسجد الأعظم الذي هو أعلى بناء في المدينة ،و الذي تزعم رفعه هو بن سالم وهو من أصل جزائري ،ثم توجه الجنرال اليوطي مع أفراد قيادته العليا إلى داخل القصبة حيث أقام بجناح في منزل العامل أحمد بن كروم الجبوري. وفي اليوم الأول لدخول الحملة إلى وجدة، أقيم استعراض عسكري مهم داخل المدينة، قبل أن تسحب الجيوش لترابط وراء الأسوار، ثم أطلق سراح جميع المعتقلين السياسيين الذين وجدهم الفرنسيون في الزنازين. وقد كانت حجة فرنسا العلنية للاحتلال وجدة هي طلب إنصافها في قتيل مراكش (الطبيب موشان).وقد أعلن آنذاك أن الاحتلال مؤقت ومعلق بتلبية كل المطالب الفرنسية وأنه سيكون منحصرا في المدينة لا غير،و سعى هذا التبرير إلى طمأنة قبائل عمالة وجدة تفاديا لاندلاع مقاومة شعبية ضد الغزاة .

وبعد استقرار القوات الفرنسية في وجدة ،بررت احتلالها بانعدام الأمن في الحدود وقامت بإنشاء مراكز ..... الرسوم المفروضة على الواردات مع أن ذلك يتنافى مع اتفاقيات 1901- 1902 إن الواقع في عين المكان مناقض لما ادعته فرنسا علنا فقد أبقت السلطات الفرنسية الجهاز ألمخزني المحلي كما كان سابقا لكن بدون سلطة، أما السلطة الفعلية فهي في يد الضباط الفرنسيين الذين أشرفوا على تسيير جميع دواليب الجهاز ألمخزني المحلي، ولتأكيد هذه السياسة عين مفوض بالحكومة الفرنسية بالمدينة ابتداءا من 19 أبريل 1907م و الذي كانت مهمته السهر على تسيير الجهاز ألمخزني بالمدينة وقد أوضح الجنرال ليوطي في تقرير مطول الإجراءات المجمع اتخاذها بوجدة و ناحيتها من أجل إنجاح السياسة الفرنسية ،فهناك حسب زعمهم قوتان تجذبان القبائل.

أولهما : التعصب الديني وما يفترضه من تآزر بين المسلمين وحقد على الكفار .

و ثانيهما : المنفعة المادية و الشخصية لبعض القادة و الأعيان .

وهذه القوة هي التي يجب العمل على ترجيح كفتها و بذلك تستسلم القبائل للاحتلال الفرنسي. وفي الوقت الذي كانت فيه السلطات الفرنسية جادة للاستمالة القبائل و توسيع منطقة الاحتلال، بعث السلطان (مولاي ع. العزيز)، رسائل إلى قبائل عمالة وجدة و شرح فيها أسباب الاحتلال و حمل رغبة كل المسؤولية ،لكنه أكد لهم على أن المخزن جاد في ترضية مطالب فرنسا حتى تخرج جيوشها من المدينة ،لكن الرسائل السلطانية لم تصل إلا في نهاية أبريل 1907م،أي بعد مضي شهر على دخول الجيش الفرنسي إلى وجدة . وما أن شاع خبر احتلال وجدة حتى أخذ قادة و أعيان القبائل يتداولون كيفية مواجهة الحادث ،فسارعت السلطات الفرنسية و دعتهم إلى الهدوء،وفي الوقت نفسه أرسلت فرق عسكرية إلى بسيط (سهل) أنكاد لتفريق كل التجمعات القبلية التي يمكن أن تظهر العداء لفرنسا وقد نجح ليوطي في خلق انقسام بين القبائل ،..........إليه بعض قادة و أعيان القبائل و استدرجهم إلى ملاقاته بوجدة وعد ذلك استسلاما للأمر الواقع وقبول للاحتلال الفرنسي ،حيث مورست عليهم ضغوط كبيرة للقيم بهذه الخطوة ،حيث سبق لهم وأن احتموا بالجيش الفرنسي اتقاء لهجومات بوعمامة بعد أن تخلوا عنه وركنوا أيضا إلى فرنسا خوفا من عقاب المخزن بسبب ولائهم للروكي بوحمارة وبعد توسيع منطقة الاحتلال في اتجاه بني مطهر أمكن احتواء كل القبائل الواقعة جنوب وجدة وعزلها عن المنطقة ، وهذا ما يفسر عدم استنفارها في عمل جهادي ضد فرنسا.


تعليقات