حرب الأفيون الثانية وتعميق النفوذ الاستعماري
أسباب الحرب ونتائجها المباشرة
منذ توقيع معاهدة نانجينغ ، تزايدت التحرشات البريطانية إزاء الحكومة الصينية، بحثا عن ذرائع توصل إلى مصالح وامتيازات جديدة ، ومن ذلك اتهام الصينيين بانتهاك التزاماتهم التعاقدية وانتهاك حقوق بريطانيا المنصوص عليها في معاهدة نانجينغ ، وإهانة بريطانيا والعلم البريطاني والبريطانيين المقيمين في الصين وتعرضهم للعنف والقسوة ، وكذا إهانة الأجانب المقيمين في الصين . ولما لم تجد هذه الاتهامات وأشباهها نفعا في صياغة حجة كافية لإعلان بريطانيا الحرب على الصين من جديد ، التقط البريطانيون حادث إلقاء شرطة الموانئ الصينية القبض على مجموعة من المتابعين ، كانوا على متن سفينة صغيرة راسية بمرفئ قوانغتشو تحمل اسم " السهم " ، ليدعوا أن هذا الإجراء يمس ببريطانيا لأن السفينة مسجلة باسمها في هونكونغ ، ورغم أن هذا الادعاء لم يكن حقيقيا ، فإن القنصل البريطاني تشبث به ، وبادعاء إهانة بريطانيا والعلم البريطاني ، وطالب باعتذار رسمي وبترضية رسمية ، بشكل متواز مع وصول الأسطول البريطاني إلى ميناء قوانغتشو ، ومطالبة قائده بمقابلة المسئولين الصينيين داخل أسوار المدينة ، رغم معرفته المسبقة بتعارض ذلك مع تقاليد الصين ومع جميع السوابق ، ورغم إطلاق المسئولين الصينيين سراح المعتقلين درء لكل حجة ، مهما كانت شكلية أو مختلقة . ولما اقترح الصينيون إمكانية التفاوض في مكان آخر بأسلوب لا يتناقض مع العادات ومع قواعد الآداب التقليدية الصينية، رفض البريطانيون الاقتراح وشنوا هجوما على قوانغتشو في شهر أكتوبر 1856، فاندلعت بذلك حرب الأفيون الثانية. وبعد هذا الهجوم، بوقت قصير، نحا الفرنسيون منحى الإنجليز ، فهاجموا ، بذريعة مقتل مبشر فرنسي، إلى جانب البريطانيين مدينة قوانغتشو في دجنبر 1857 واستولوا عليها ، ثم توجهوا شمالا وهاجموا " داقو " في أبريل 1858 ، ثم استولوا على تيانجين " . وفي سياق هذا التكالب، انتهزت روسيا القيصرية فرصة حرب الأفيون الثانية، فطالبت سنة 1857، بالاتجار في عدد من الموانئ الصينية، فلما رفض طلبها، دخلت في تحالف مع بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا، في إطار جبهة متحدة ضد الصين، وتم الاستيلاء على مناطق شاسعة من التراب الصيني، بلغت مساحتها 1,5مليون كيلومتر مربع.
وقد امتدت حرب الأفيون بين سنوات 1856 ـ 1858 ، وهي حرب ، لم تبد فيها الحكومة الصينية مقاومة حقيقية ، إما لأنها كانت منشغلة بالثورات والتمردات الداخلية ، وعلى رأسها ثورة تايبينغ " أو لا نها كانت تريد ترضية الدول الاستعمارية ، أملا في دعمها للقضاء على تلك الثورات . فقد خضعت الصين لمطالب بريطانيا وفرنسا، في هذه الحرب، وأجبرت، بتاريخ يونيو 1858، على توقيع معاهدة ، غير متكافئة ، جديدة هي " معاهدة تيانجين " التيدفع الحكومة الصينية ، إلى بريطانيا وفرنسا ، تعويضات عن خسائرهما في الحرب .
فتح عشرة موانئ جديدة أمام التجارة البريطانية والتجارة الفرنسية .
السماح للأجانب بالعمل في الجمارك الصينية .
السماح للأجانب بالتنقل داخل الصين بحرية ، وبممارسة التجارة والتبشير داخل التراب الصيني ، مع حماية المبشرين .
السماح للسفن الحربية الأجنبية ، بالرسو في مختلف الموانئ الصينية .
وفي سنة 1859 ، جرت بين بريطانيا وفرنسا ، وبين الصين مفاوضات في شانغهاي ، انتهت إلى الاعتراف بشرعية تجارة الأفيون . كما استغل البريطانيون والفرنسيون سوء تفاهم مع الصينيين حول الطريق الواجب سلوكه نحو بكين لتبادل مذكرات " معاهدة تيانجين " ، فأنزلوا في غشت قواتهم إلى البر الصيني ، واستولوا على " داقو " و " تيانجين " و " بكين " ، ونهبوا القصر الصيني القديم ، ثم أحرقوه ، وأجبروا الحكومة الصينية على تنازلات أخرى لصالحهما ، تمثلت في :
دفع الحكومة الصينية تعويضات جديدة لبريطانيا وفرنسا .
الاعتراف بحق إقامة الدبلوماسيين الأجانب في بكين .
فتح مدينة تيانجين للتجارة .
السماح لبريطانيا وفرنسا باستئجار الأيدي العاملة الصينية لتعمل في مناطق امتيازاتها.
التخلي عن جزء من كولون لبريطانيا.
تقديم تسهيلات إضافية للمبشرين ، داخل الصين.
وعلى العموم ، فقد أدت معاهدة تيانجين التي انتزعتها الدول الاستعمارية من الصين إلى نشوء آفاق خيالية لتوسيع التجارة الأجنبية توسيعا هائلا ، وضاعفت من عدد النقط المفتوحة لأجل تلك التجارة ، فاستثارت ، بذلك ، الأحلام بسوق لا ينضب لها معين.
سقوط مملكة تايبينغ وإنهاء حركات التمرد
منذ قيام ثورة تايبينغ ، لم يكن لقيادة الثورة أي موقف معاد للأجانب ، بل ربما كانوا ينتظرون المساعدة منهم بحكم تعامل الثورة مع الديانة المسيحية ، غير أن عدم العداء لم يكن يعني أي تنازل قدمه الثوار للدول الغربية بخصوص المصالح الوطنية . أما القوى الغربية ، فقد وصلت مواقف بعضها حد التعاطف مع الثورة وتمنى نجاحها ، أملا في تحسين أوضاع التجارة مع الصين ، بل إن بعض المطارنة المبشرين ، كانوا قد اعتبروا ثورة تايبينغ بمثابة تفجير جديد في المسيحية ، يمكن من خلاله الهيمنة على عرش ابن السماء . ورغم أن بعض هؤلاء تخوفوا من القوة التي مارسها هونغ شيو تشيوان على المؤمنين ، وأنكروا عليه تعدد زوجاته ، فإن التعاطف معه ومع حركته استمر قائما . غير أن هذا الموقف تغير بعد نهاية حرب الأفيون الثانية ، حيث باتت القوى الأجنبية تناصب ثورة تايبينغ العداء ، فالامتيازات التي حصل عليها الغرب بعد انتهاء تلك الحرب والموانئ التي فتحت في وجه تجارته وتجاره، جعلته يحس بمدى خضوع حكومة تشينغ لأهوائه ومطامعه ، وأصبح يحس بخطورة تايبينغ على تلك المصالح . في نفس الوقت الذي أصبحت حكومة تشينغ تنظر فيه إلى الأجانب ، مجرد ضرر في الأطراف ، بينما تنظر إلى مملكة تايبينغ ، مثل مرض خطير في أعضاء الجسم الحيوية . وبهذين الموقفين المتقاربين التقت مصالح حكومة تشينغ مع مصالح القوى الغربية ، وبدأ التعاون بينهما ضد الثورة .
كان أول اصطدام للتايبينغ مع القوى الأجنبية سنة 1860 ، حول مدينة شانغهاي ، التي حاول الجيش السماوي الهجوم عليها . ومنذ ذلك الحين أصبح جيش تايبينغ يواجه جيشين ، جيش تشينغ ، وجيش التحالف الصيني الأجنبي الذي تسيره قيادات عسكرية بريطانية وفرنسية ، كما تحول اهتمامه منذ 1862 ، نحو الدفاع عن العاصمة السماوية ، التي أصبحت مهددة . وكان خوض هذا الجيش الحرب في جبهتين ، سبب فشله في فك الحصار على عاصمته ، فبدأ التراجع والفشل يتسرب إلى صفوفه ، وسقطت مجموعة من الحصون والمدن ، واستسلم بعض القادة وفر آخرون ، وتزامن هذا التراجع الكبير مع وفاة قائد الثورة ومؤسس المملكة " هونغ شيو تشيوان " ، في فاتح يونيو 1864 ، فازداد الوضع تأزما ، ولم يستطع ابن القائد المتوفى تصحيح الوضع ، فسقطت العاصمة ، وبسقوطها سقطت مملكة تايبينغ ، واضطرت بعض بقايا جيشها ، إلى التحالف مع جيوش ثورة فلاحية ، كانت قد اندلعت منذ أواسط خمسينيات القرن التاسع عشر ، هي ثورة " النيان " ، وإلى خوض معارك مشتركة معها ضد حكومة تشينغ بين سنوات 1864 ـ 1868 ، غير أن التحالف الصيني الأجنبي ، أنهى هذه الحركة هي الأخرى ، كما أنهى غيرها من التمردات القومية والسلالية ، في نهاية ستينيات وبداية سبعينيات القرن التاسع عشر ، مثل حركة قومية مياو التي اندلعت منذ سنة 1854 ، وحركة قومية هوي المسلمة ، التي اندلعت منذ سنة 1855.