ثورة تايبينغ وتأسيس المملكة السماوية
تأسست مملكة تايبينغ
تأسست مملكة تايبينغ على يد إحدى الجمعيات السرية المناهضة لحكم أسرة تشينغ ، وهي " جمعية بايشانغدي " ( عبادة الرب ) ، التي أسسها " هونغ شيو تشيوان " ( 1814 ـ 1864) . وهو ابن أسرة ريفية ، اشتغل في التعليم ، ولم تسعفه الظروف في اجتياز مباريات نظام الفحوص الإمبراطوري. تأثر " تشيوان " بتعاليم المبشرين المسيحيين ، فكفر بتعاليم الكونفوشية وادعى النبوة . وساعدته أوضاع الصين المضطربة ، إثر هزيمة حرب الأفيون الأولى ، على فكرة حشد الغاضبين والمتذمرين ، تحت شعارات دينية مسيحية ، معادية لفكر كونفوشيوس وللأباطرة والحكام ، وشعارات مساواتية . وهي الشعارات التي رتبها بين سنة 1845 وسنة 1846 في شكل تعاليم جمعت بين مطالب الفلاحين وبين فكرة المساواة في المسيحية وفكرة الوئام العظيم لدى الصين القديمة . وعبر هذه التعاليم دعا إلى الثورة ضد أسرة تشينغ ، لما تحولت جمعيته إلى جمعية ثورية تراوح أتباعها سنة 1847 ، بين الفين وثلاثة آلاف ، أغلبهم من الفلاحين والحرفيين . واعتمادا على أنصاره ، أعلن هونغ شيو تشيوان في يناير 1851 ، في احتفال عسكري كبير عن تأسيس " تايبينغ تيان قوه " ( مملكة تايبينغ السماوية ) ، وعن قوانين عسكرية بسيطة لها . ومنذ العمليات العسكرية الأولى لهذه الحركة كان المستهدفون من قبلها هم كبار الموظفين والوجهاء وملاك الأراضي والمرابين ، فأحرقت سجلات ريع الأرض ومستنداتها وعقود القروض ، وصادرت ثروات الأثرياء . وبموازاة تقدم جيش تايبينغ ، تزايدت أعداده ، فوصلت 500 ألف مقاتل سنة 1853 ، وهي السنة التي دخل هذا الجيش ، في شهر مارس منها إلى مدينة نانجينغ ، التي تم تحويل اسمها إلى " تيانجينغ " ( أي ، العاصمة السماوية ) . وبعد أن أصبح للتايبينغ عاصمة ، ووصل عدد مقاتلي جيشهم إلى حوالي المليون ، واتسعت مناطق نفوذ ثورتهم ، احتاجوا إلى تنظيم عسكري قوي ، فعمقوا تنظيم هذا الجيش فرقا ومجموعات ، بنيت على أساس مبادئ وقوانين الانضباط والتنظيم المتراص والطاعة العسكرية وحفظ الأسلحة والتنازل غنائم الحرب لصالح " الخزانة المقدسة " .
وبالإضافة إلى التنظيم العسكري ، اهتمت حركة التايبينغ ، بعد إقامة العاصمة السماوية ، بتنظيم مجتمعها على مختلف الأصعدة والمجالات ، فتم تجنيد القادرين ، في الخدمة العسكرية ، وألحق غير القادرين بالمعامل وبالمهام الإنتاجية ، حسب ما يتقنونه من مهارات وحسب حاجات المملكة . وفي مجال التموين ، ألغي نظام الأجور بشكل مطلق ، وألغيت الملكية الخاصة ، وتمت تلبية حاجات الجميع من " الخزانة المقدسة " التي وضعت فيها الغنائم والأموال العامة ، ونظمت الحرف بشكل حازم داخل مخيمات خاصة ، وألغيت مهنة التجارة ، بدعوى عدم الحاجة إلى أي عملية شراء بمقابل نقدي . وفي شتاء سنة 1853 ، أصدرت المملكة السماوية برنامجا للإصلاح الاجتماعي تحت اسم " نظام الأرض السماوي " ، ألغي بموجبه النظام الإقطاعي ونظام ملكية الأرض الفردية ، ووزعت الأرض على الفلاحين لحراثتها . وأكد هذا البرنامج على ضرورة اقتسام الأرض والطعام واللباس بالتساوي ، حسب عدد أفراد الأسرة ، بغض النظر عن الجنس . وألغى القانون عرف الزواج الإقطاعي بطريقة الصفقة . واكتسبت النساء في مملكة تايبينغ ومجتمعها وضعا مميزا .
وإذا كان البرنامج الاقتصادي الاجتماعي لمملكة تايبينغ ، يهدف إلى إقامة مجتمع مثالي ، فإن الأمور على مستوى الواقع ، بينت صعوبة تحقيق ذلك . فعزل الإنتاج عن السوق أدى إلى فتور قوة المنتجين وتراخيها ، وإلغاء التجارة لم يصمد طويلا ، فاضطرت المملكة إلى رفع الحظر عنها ، كما انهار نظام المساواة ، على مستوى توزيع الأرض ، ومستوى المعيشة.جيش تايبينغ
واصل جيش تايبينغ ، بعد
الاستيلاء على نانجينغ ، أعماله التوسعية ، فأرسل حملة عسكرية للاستيلاء على بكين ،
عاصمة أسرة تشينغ ، وحملة أخرى نحو الغرب . ورغم أن جيش المملكة السماوية، اقترب سنة
1853، من العاصمة بكين، فإنه أضطر إلى التراجع عنها في فبراير 1854، بسبب النقص في
الغذاء وفي اللباس الشتوي، وبسبب تفوق جيش الأعداء، من حيث العدد. ومثلما تراجع هذا
الجيش في حملته على بكين، تراجع في حملته عن المناطق الغربية بسبب التعبئة الكبيرة
لملاك الأراضي. وبعد ثلاث سنوات من الانتصارات المتتالية، بدأ الضعف يتسرب إلى جيش
تايبينغ ، ابتداء من سنة 1856 ، ولم تفد عملية الإصلاح التي عرفتها المملكة سنة
1859 إلا قليلا.
ويمكن إرجاع الأسباب التي أدت إلى تراجع ثورة تايبينغ ، إلى داخلية وخارجية ، جسدتها على المستوى الداخلي ، الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبها بعض قادة الثورة ، إضافة إلى بعض المشاكل والنزاعات في صفوف أولئك القادة ، من قبيل عدم إنشاء قواعد ثابثة في المناطق التي تم الاستيلاء عليها ، والتوقف ، أثناء حملة بكين ، عن شن القتال المتواصل للإطاحة بحكومة تشينغ ، ودخول الجيش ، في حملته الغربية ، إلى هونان ، بأعداد غير كافية لتوجيه ضربة قوية للخصوم ، كما أن عدم تحصين العاصمة السماوية ، جعلها عرضة للحصار باستمرار ، من قبل القوات الحكومية . يضاف إلى هذا نزاع القادة العسكريين حول السلطة السياسية والعسكرية، حيث أصيب عدد منهم، منذ 1856، بنوع من الغرور، بسبب الانتصارات المتتالية، ونوع من التطلع نحو الاستبداد، وهو ما قاد إلى عدد من الاضطرابات و المذابح في صفوف الجيش، وإلى نزوع عدد من القيادات العسكرية نحو الانفصال، ونزوع بعض الملاكين وبعض عناصر جيش تشينغ ، الذين انضموا إلى الثورة ، نحو الخيانة . أما على المستوى الخارجي، فكان وراء تراجع الثورة، الحصار الذي أصبحت تعاني منه عاصمة المملكة السماوية من قبل جيش حكومة تشينغ ، وتأسيس بعض ملاك الأراضي لمجموعات عسكرية للدفاع عن مصالحهم أشهرها " جيش هونان " الذي رفع شعار الدفاع عن تعاليم كونفوشيوس ومبادئه الأخلاقية ، وعبأ ملاك الأراضي ضد مملكة تايبينغ . وفي ظل هذه الشروط استطاعت الجيوش الحكومية وجيوش ملاك الأراضي، استرجاع عدد من المواقع، والتقليل من انتصارات جيش تايبينغ ، ومن توسعه . ومما زاد في تأزم أوضاع الثورة، تدخل الأجانب ضدها إلى جانب حكومة تشينغ ، منذ بدأوا يشعرون بأنها تهدد مصالحهم ، وهو التدخل الذي استفحل بعد حرب الأفيون الثانية .
شاهد ايضا .
