المشترك العشائري الصيني وثقافته

المشترك العشائري الصيني وثقافته



المشترك العشائري الصيني وثقافته


في سياق انفصال الفصيلة البشرية عن الفصيلة الحيوانية ، وفي سياق تطور التواصل بين الأفراد داخل الجماعة التي فرضت السلامة تكوينها ، نظمت القطعان البشرية البدائية حياتها العشوائية  ، داخل مشترك عشائري ، قائم على رابطة الدم بين أفراده . وقد دلت الحفريات على أن الشكل الأول لهذا المشترك ، كان أموسيا ، تبوأت فيه المرأة مكان القيادة في الإنتاج وفي الحياة اليومية ، وتحددت الأنساب تبعا لها . غير أن تطور العلاقات بين أفراد هذا المشترك ، قادت في فترة تاريخية إلى تحول في هذا الواقع ، تبوأ  معه الرجل مكان القيادة في الإنتاج وفي الحياة اليومية ، وغدت الأنساب حسب رابطة الدم مع الأب ، فأصبح المشترك أبيسيا .

وتصنف ثقافة المشتركين معا ، ضمن مخلفات العصر الحجري الحديث التي تم اكتشافها في مناطق مختلفة داخل الصين  ، وتحمل كل منهما اسما خاصا مرتبطا بأشهر ما مكان عثر فيه على مخلفات تلك الثقافة . وهكذا يطلق على ثقافة المشترك العشائري الأموسي ، اسم " ثقافة يانغشاو "   ، وعلى ثقافة المشترك العشائري الأبيسي ، اسم " ثقافة لونغشان.


المشترك العشائري الأموسي وخصائص " ثقافة يانغشاو "


تأسس المشترك العشائري الأموسي ، بشكل مساير لتطور اقتصاد القنص والصيد ، وتطابق آثار التعمير حول هذه المرحلة جزء مهما من تراب الصين . ومن أشهر نماذج مخلفاته هذا نموذجين مكتملين هما : نموذج عشيرة بانبو ، المكتشف سنة 1952 ، في قرية بانبو الواقعة في حوض النهر الأصفر ، ونموذج عشيرة خمدو ، المكتشف سنة 1973 ، في قرية خمدو الواقعة في حوض نهر اليانغتسي .

ويطلق على آثار المشترك العشائري الأموسي في هذين القريتين وغيرهما من الأماكن اسم " ثقافة يانغشاو " ، وهي مخلفات وبقايا وآثار تبين أن الزراعة شكلت النشاط الاقتصادي الرئيسي لهذا المشترك ، بمعنى أن الإنسان الصيني انتقل من ثقافة التنقل خلف النباتات والثمار وخلف الحيوانات ، إلى ثقافة الاستقرار . ويرجح المؤرخون الصينيون فرضية بداية الزراعة  ، على يد المرأة واحتمال تعلمها إياها من خلال لفت عملية نمو النباتات من البذور المتساقطة على الأرض لنظرها ، فتعلمت كيف ينبت الزرع  . أما الأدوات التي استعملت في هذه الزراعة ، فتشير الحفريات ، من ضمنها ، إلى أدوات عظمية وخشبية وحجرية  ، جسدتها عصي مدببة الرأس استعملت لحفر الأرض ، وأدوات حجرية مصقولة ومتطورة ، مثلها الفأس والمسحاة  والسكين الحجري المصقول . وتبين الأبحاث كيف كان إنسان عشيرة بانبو يبدأ عمليته الزراعية بتهييئ الحقل ، مبتدء بتنظيفه من الأعشاب عن طريق حرقها ، ومن الأشواك عن طريق اجتثاتها ،  و الأشجار عن طريق قطعها بواسطة فأس حجرية .   ثم تمهيد الأرض واستصلاحها وتسويتها بواسطة  المسحاة  الحجرية والعظمية  والمعزقة الخشبية ، أما البذر فكان يتم بواسطة العصا المدببة  ، بينما استعملت السكين الحجرية والفخارية  في عملية الحصاد  .

ومن المحاصيل التي زرعها مشترك قرية خمدو  نذكر الدرة والأرز والخضروات ، وكذلك نبات القنب من أجل صنع القماش  . ولطحن الحبوب المحصودة ، كان يتم تقشيرها أو دقها بواسطة عصا أو أسطوانة من الحجر ، قبل  وضعها في رحى حجرية  .

وبسبب أن الزراعة كانت في مراحل بدايتها الأولى ، فالإنتاج كان خاضعا لتقلبات الطبيعة والمحصول كان ضعيفا ، وحتى منعدما في بعض الأحيان ، بما كان يفرض على بعض العشائر الرحيل ومغادرة مكان الاستقرار نحو مكان آخر تكون فيه الشروط أكثر ضمانا للمحصول الزراعي ،  وكذلك ، بما كان يفرض استمرار دور أنماط الإنتاج الأخرى من صيد وقنص وجني وقطف . فقد شغل القنص والصيد في فترة المشترك الأموسي ، بعد الزراعة ، مكانة مهمة نسبيا في الحياة الاقتصادية ، وكانت أهم أدواته متمثلة في القوس والسهم والرمح ذات الرأس الحجرية ، والرمح ، والصنارة والشبكة ذات الثقالة المصنوعة من الحجر .  ومع تقدم أعمال القنص تزايد مردوده الذي وفر فائضا تم تدجينه   ، فشكلت تربية الماشية نشاطا إنتاجيا تكميليا . وتبين مخلفات الأراضي المسيجة ، وبقايا عظام الحيوانات ، التي عثر عليها في قرية بانبو ، أن الحيوانات المدجنة ، تمثلت في الخنازير والكلاب ، بشكل أساسي ، بينما كان تدجين البقر والغنم والخيل والدجاج في بداية تدجينها . واستمر القنص والجني  ضروريا ، هو الآخر ، حيث عثر علماء الآثار على عدد كبير من بقايا الجوز وحبوب الصنوبر والكستناء ، في منازل وكهوف عشيرة بانبو  .

وإلى جانب هذه الأنشطة الاقتصادية ، عرف النشاط الحرفي في ثقافة يانغشاو ، تطورا ملحوظا ، إذ في ظل تقدم الإنتاج الكمي وتحسنه النوعي توفرت للإنسان أدوات جديدة ، وعرفت بعض الصناعات تطورا مهما ، ومنها صناعة الفخار التي كانت أهم مبتكرات المشترك العشائري الأموسي ، ومن الفخار صنع إنسان هذا المشترك أدوات مختلفة ، زينها بالرسوم والألوان ، كما  عرفت الحياكة والخياطة تقدما ملموسا ، حيث كانت الألياف تستخلص من قشور نبات القنب البري ، و تفتل خيوط  بواسطة دواليب من التراب المحروق ، أو من الحجر ، قبل أن يتم نسجها . وخياطتها كملابس ، إلى جانب الألبسة التي خيطت من جلود الحيوانات . ومن مجموع الأدلة والمخلفات الأثرية تبين للباحثين أن عدة أنواع من الألبسة تمت خياطتها بمهارة ملحوظة .

وفي ظل هذه التحولات الإنتاجية للمشترك الأموسي ، كانت علاقات الإنتاج ، من خلال مكتشفات قرية بانبو ، وقرية خمدو ، بمواصفات بينت أن الأراضي والمساكن كانت ممتلكات عامة مشتركة ، وأن العمل كان جماعيا ، يشارك  الجميع  في إنتاج محصوله ، الذي يوزع ، كذلك ، على الجميع دون تفضيل ودون حيف . فقد كانت المساواة قاعدة عامة ، ولم يعتر باحثو الآثار على ما يشير إلى وجود فوارق في الحياة الاجتماعية .


المشترك العشائري الأبيسي وثقافة لونغشان


وصلت المشتركات العشائرية بالصين ، على التوالي ، وفي جهات متعددة ، وخاصة منها الأحواض ، إلى مرحلة المشترك العشائري الأبيسي ، بعد آلاف السنين التي عمرها المشترك العشائري الأموسي . فقد أثبت الباحثون في علم الآثار هذا التحول بالعثور على مخلفات كثيرة ، في عدة مواقع ، تعود إلى هذه الفترة ، كما أطلقوا على ثقافة المشترك العشائري الأبيسي اسم " ثقافة لونغشان " ، نسبة إلى أشهر موقع تضمن بقايا ومخلفات ، هذا المشترك  .

ومن خلال المخلفات التي تم العتور عليها ، تبين للعلماء أن ثقافة المشترك العشائري الأبيسي ، غطت مناطق أكثر اتساعا من تلك التي غطتها ثقافة يانغشاو. كما تبين لهم أن مستوى الإنتاج وصل في هذه المرحلة تطور كثيرا ، مقارنة بسابقتها ، خصوصا في مجال الزراعة وتربية الماشية . ففي ميدان الزراعة ، توصل أولئك العلماء إلى مكتشفات دلت على أن الإنسان في المشترك العشائري الأبيسي توصل إلى استعمال أدوات جديدة ، من بينها مقبض المحراث الخشبي ، والمنجل المصنوع من الحجر ، أو من أصداف المحار ،  كما طور عملية استصلاح الأراضي ، وطور طرق الغراسة ، التي تبينها بعض الأدوات المكتشفة ، مثل الفأس والمسحاة الحجرية . ومن خلال كثرة ما تم العتور عليه من أدوات الحصاد ، التي تعود إلى هذه الفترة ، استنتج الباحثون ارتفاع نسبة المحصولات الزراعية ، التي حددوا أهمها في حبوب الأرز .

أما في ما يخص تدجين الحيوانات وتطور مكانته في الحياة الاقتصادية ، فلاحظ الباحثون بخصوصه ، في هذه المرحلة ، تزايد الماشية المدجنة ، كما ونوعا ، وتبين لهم أن أهمها تكون من : الخنزير ، والكلب ، والبقر ، والحصان ، والدجاج ، مع أهمية واضحة لتربية الخنزير . كما لاحظ الباحثون ، كذلك ، أن أهمية تدجين الحيوانات ، في هذه الفترة ، أدت إلى تراجع حاجة الإنسان للقنص ، بشكل لا ينفي التطور الذي عرفته ممارسة القطف والقنص والصيد ، حيث توصل الإنسان ، بخصوص هذا الأخير أساسا ، إلى استعمال القارب الذي سمح له بتوغل نسبي في المياه .

وتماشيا مع تطور الإنتاج الزراعي ، وتطور تربية الماشية في أوساط المشترك العشائري الأبيسي ، لاحظ الباحثون تطور بعض الحرف اليدوية ، وعلى رأسها صناعة الخزف ، وصناعة الأدوات الحجرية ، والعظمية ، إلى جانب صياغة اليشم والعاج ونحتهما ، كما لاحظوا أن أهم تطور ، في هذا الباب ، تعلق بمعالجة المعادن ، وخاصة منها الصناعة النحاسية التي تطورت تطورا واضح الأهمية .كما أنه وتماشيا مع تطور الحياة الاقتصادية ، حصلت تحولات في العلاقات بين الأفراد ، حيث بدأت تظهر أواخر هذه الفترة ملامح الملكية الخاصة ، مقابل تراجع المساواة التي سادت قبل ذلك . لما سخر بعض  كبراء العشائر والقبائل مراكزهم للاستئتار بفائض الإنتاج ، وبدأوا في التميز عن باقي أفراد المشترك بما امتلكوه وبطريقة عيشهم ، كما بينت ذلك الحفريات التي أجريت في مقابرهم والتي توصلت إلى مواد جنائزية ثمينة كانت تدفن معهم . وبهذا التأسيس لظهور الملكية الخاصة سار المشترك العشائري الأبيسي في اتجاه الطبقية والصراع الطبقي ، ومنه إلى ظهور الدولة.

تعليقات