الحرب الصينية اليابانية واستفحال نفوذ الأجانب


الحرب الصينية اليابانية واستفحال نفوذ الأجانب
Sino-Japanese War


الحرب الصينية اليابانية واستفحال نفوذ الأجانب


بتزامن مع التحالف الحكومي الأجنبي ضد مملكة تايبينغ ، تزايدت خصائص اكتساب صفة بلد شبه مستعمر في الصين ، وتزايد نفوذ متزعمي هذا التحالف داخل البلاط الإمبراطوري ، كما أدت عملية افتتاح قناة السويس بمصر سنة 1869 ، إلى مضاعفة تدفق السلع والبضائع الغربية نحو الصين ، بما انعكس عن ذلك من حاجة إلى مزيد من الأسواق داخل هذا البلد ، ومن تجديد الاعتداءات الغربية على الإمبراطورية الصينية . وفي ظل هذه الشروط الجديدة انضافت إلى الدول المعتدية الغربية دولة اليابان التي دفع بها التطور الرأسمالي إثر إصلاحات ميجي ، نحو سياسة توسع على حساب الصين وكوريا ومنغوليا ، لقي مساندة من الولايات المتحدة وبريطانيا ، حيث تواطأ الأمريكيون مع اليابان في غزو تايوان وليوتشيو . وبتزامن مع الاعتداءات اليابانية ، أجبرت بريطانيا حكومة تشينغ سنة 1876 ، على توقيع معاهدة " تشيغو " التي رمى من ورائها البريطانيون إلى تسهيل نشاطهم العسكري والاقتصادي في عدد من المناطق ، كما شنت فرنسا عدوانا على إقليم يونان ، فارضة بذلك حربا على الصين بين سنوات 1883 ـ 1885 ، انتهت بانتزاع معاهدة غير متكافئة جديدة .

وبسبب تحرش اليابانيين ، المسنودين من الولايات المتحدة ،  بكوريا ، انلعت الحرب بين اليابان والصين ، فانهزمت الصين ، واحتلت اليابان كوريا ، وجزءا من التراب الصيني ، كما فرضت على الصين ، سنة 1895 ، توقيع معاهدة غير متكافئة هي  " معاهدة شيمونوسيكي " ، التي تخلت بموجبها الصين على جزء من ترابها لليابان ، بالإضافة إلى غرامة لتعويض نفقات الحرب ، وحصول اليابانيين على الحق في إقامة مشاريع صناعية في موانئ الصين . وبناء على امتياز " الدولة المفضلة " مكنت معاهدة شيمونوسيكي البلدان الإمبريالية من استثمار أموالها في الصين بحرية ، ولتسهيل هذا الاستثمار مزقت التراب الصيني إلى مناطق نفوذ ، شاركت فيها كذلك ، روسيا القيصرية وألمانيا ، مهددة البلاد بخطر التجزئة . وفي ظل هذه الأوضاع كان رجال البلاط الصيني ، وكبار الشخصيات المتنفذة موزعين في ولاءاتهم بين مختلف الدول الأجنبية ، كل منهم يدافع عن مصالح إحداها ، مقابل رشاوى ، وهو ما عمق حالة التجزئة والتشردم.


الحركة الإصلاحية الصينية


ظهور الحركة الإصلاحية

 في ظل عدم تكافؤ القوة بين الدول الاستعمارية والصين ، لم تجد مقاومة الصينيين نفعا ملموسا ، رغم الاستماتة التي أبدتها بعض فئات المجتمع . وفي ظل الهزيمة والأزمة ، متعددة الوجوه ، تطورت لدى بعض عناصر النخبة ، بالتدريج ، مجموعة أفكار إصلاحية ، بدأت بوادرها الأولى ، منذ حرب الأفيون الثانية ، وتطورت أواخر الثمانينيات ، ثم عمقت من مستواها أواخر التسعينيات في إطار ما سمي " الحركة الإصلاحية لعام 1898 " .

فقد طرحت هزيمة الصين أمام اليابانيين على فصائل من النخبة الصينية ، مجموعة أسئلة حول ما آل إليه الوضع من ضعف وانحدار ، وحول طريقة انتشال البلاد من وهدتها ، وآمنت هذه النخبة بالنضال السلمي وتكتيك الإصلاح ، فناهضت أسلوب الانتفاضات والثورات ، ورأت أن إصلاح أوضاع الصين ، لا يمكن أن يتم إلا بالتعلم من الغرب ومن اليابان . وفي هذا السياق دعت هذه النخبة إلى التخلص من القوالب الجامدة في كل مناح الحياة ، وإلى تطوير المجتمع في أفق تحديثي ، والتخلص من الأفكار التقليدية ذات السمات الإقطاعية .

ففي أعقاب الانفتاح الصيني على ما أقامه الغرب بالصين من صناعات عصرية ، ظهرت بين سنوات 1860 ـ 1890 ، دعوة إلى التعاون مع الأقطار الرأسمالية الغربية وإلى الاقتداء بها في إقامة بعض الصناعات ، خاصة منها الصناعات الحربية ، تحت شعار " تقوية النفس " ، وتعرف هذه الحركة في الأدبيات السياسية الصينية ، باسم " حركة التغريب " ، التي اشتغلت تحت شعار " صين قوية " ، وجمعت بين الدعوة إلى التحديث وبين الرغبة في التخلص من السيطرة الغربية . ومن مصادر انفتاح الصينيين على الفكر الغربي نذكر البعثات الدراسية التي توجهت إلى الخارج واحتكت بالمجتمع الغربي وبعلومه وثقافته ، مباشرة ، والدور الذي لعبته الجمعيات التبشيرية بالصين ، مثل " جمعية الأدب المسيحي " ، في نشر الفكر الغربي عن طريق الصحف ونشر الكتب السياسية والقانونية والتاريخية ، إضافة إلى دور الترجمة ومؤسساتها مثل " دار تونغون " التي أنشأتها الحكومة الصينية ، سنة 1862 ، بالعاصمة بكين ، ودائرة الترجمة التي أسستها " جماعة التغريب " سنة 1865 ، وما قامت به تلك المؤسسات من ترجمة لكتب غربية اهتمت بالقوانين العامة للنظام الرأسمالي ، وبالتقنية اللازمة لإقامة صناعة على النمط الغربي ، وكتب متعلقة بالسياسة والقانون . و في سياق الانفتاح على الصناعة الغربية ، تأسست في ستينيات وسبعينيات القرن التاسع عشر صناعات حربية من تمويل الحكومة ، ومصانع لبناء السفن ، ومصانع للغزل والنسيج ومصانع للتعدين والورق والكبريت والحرير في عدد من المناطق . كما أن الانفتاح على الكتب الغربية والفكر الغربي أدى إلى بروز أعلام تزعموا الحركة الإصلاحية ، من بينهم " رونغ هونغ " ، وهو أول طالب صيني درس في الولايات المتحدة الأمريكية ، وتشبع بالفكر الغربي داعيا إلى حركة إصلاحية قدم بعض مقترحاته حولها لحكومة تشينغ.

الحركة الإصلاحية لعام 1898 وفشلها



في أعقاب دعوة " رونغ هونغ " تعززت الحركة الإصلاحية بعدد من الرموز ، الذين ارتكز مضمون  دعوتهم على ثلاثة مرتكزات هي : التعلم من الغرب والإصلاح السياسي ـ تطوير الرأسمالية وتشجيع الاستثمارات الحرة ـ تبني الملكية الدستورية . وكان من أبرز رموز هذه الموجة الإصلاحية الجديدة " كانغ يو وي " ، الذي كان منفتحا على العصر وعلى الفكر الغربي ، وعلى مختلف التجارب الإصلاحية في الغرب وروسيا القيصرية واليابان ، والذي يعتبر الممثل الرئيسي لـ " الحركة الإصلاحية لعام 1898 " .  وكانت أفكار " كانغ يو وي " الإصلاحية أفكارا معتدلة تبناها عدد من التلاميذ والأتباع ، في حركة عارضت معاهدة شيمونوسيكي ، التي فرضتها اليابان على الصين ، وقدمت للإمبراطور مقترحات إصلاحية ، تدعو إلى بدء الإصلاح من خلال تقليد تجربة اليابان ، كما تدعو إلى تأسيس برلمان والسماح بحرية الرأي والتعبير ، وتكوين هيئة استشارية إلى جانب الإمبراطور ، وتأسيس دور للصحافة ، واختيار ذوي الكفاءة والاستقامة للخدمة في الحكومة ، وهي المقترحات التي تم تعزيزها بغيرها ، في عدد من المحطات ، على رأسها محطة 1897 ، ومناظرة " كانغ يو وي " لخصوم الإصلاح ، وتقديمه عريضة إصلاحية جديدة للإمبراطور ، شكلت برنامج الحركة الإصلاحية لعام 1898 ، التي رأت في العمل على جلب الإمبراطور لصف الإصلاحيين ، دعما للحركة الإصلاحية .

ومع تنامي تطور الحركة الإصلاحية ، احتاجت ، بسبب جو الانفتاح الذي تسببت في خلقه ، إلى تنظيم نفسها والتعريف بأفكارها ، فنتج عن ذلك تأسيس عدد من الجمعيات وإصدار عدد من الصحف أشهرها " جمعية تعلم كسب القوة " ، وصحيفة " الأنباء العالمية والمحلية " ، كما نشر " كانغ يو وي " صحفا أخرى ، وأسس جمعيات أخرى اهتمت بالمعرفة الجديدة وبحماية الصين عن طريق الإصلاح  . ومثلما كان للحركة الإصلاحية أنصار كان لها خصوم ، وبسبب تبني الإمبراطور لفكرة الإصلاح سنة 1898 ، ودعوته " كانغ يو وي إلى القصر للتباحث معه في شؤون الإصلاح ، ثم تعيينه كاتبا في مجلس الوزراء ، وإصدار أوامر إصلاحية تناولت العديد من المجالات ، كثر أعداء الإصلاح في البلاط بقيادة أم الإمبراطور ، فلم يعمر الإصلاح الذي أمر به الإمبراطور طويلا ، ويعرف في الأدبيات الصينية باسم " إصلاح المائة يوم "  . حيث تدخلت أم الإمبراطور بنفوذها ، مستعينة بجماعة المحافظين في البلاط ،فأطاحت بالإمبراطور " قوانغ شيو " ، وطاردت الإصلاحيين اعتقالا وإعداما وتنكيلا ، وألغت كل إجراءات الإصلاح ، معلنة عن فشل الحركة الإصلاحية لعام 1898.


تعليقات