تجارة الأفيون وانعكاساتها السلبية على الصين


تجارة الأفيون وانعكاساتها السلبية على الصين
Opium trade in China

الأطماع الغربية واضطراب المجتمع الصيني

في الوقت الذي شقت فيه أوربا طريق الهيمنة على الملاحة البحرية ، ثم طريق الهيمنة على التجارة والأسواق ، كانت إمبراطورية تشينغ ، تعيش ، على كافة المستويات ،  سلسلة من التراجعات ، التي أفضت بها إلى أن تصبح ضمن أراضي ماوراء البحار التي طمعت الرأسمالية الأوربية الصاعدة في تحويل أراضيها إلى سوق للتزود والترويج ، فأقدمت بريطانيا على إعلان ما سمي " حرب الأفيون " على الصين ، مبتدئة هجوما غربيا على هذه البلاد ، تسببت تطوراته وتبعاته في تحولات عميقة ، كان من أبرز نتائجها ، تحويل الصين إلى بلد شبه مستعمر وشبه إقطاعي ، وقيام حركات إصلاحية تبنت الفكر الغربي ، ثم سقوط النظام الإمبراطوري الصيني ، وقيام نظام جمهوري ، بديلا عنه . 



   تجارة الأفيون وانعكاساتها السلبية على الصين


فتحت سيطرة البريطانيين على التجارة مع بلاد الهند شهيتهم تجاه الصين ، منذ أواخر القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر . إذ تعود محاولاتهم للمتاجرة مع الصينيين بين سنة 1786 وسنة 1829 ، إلى وصول التجار البريطانيين إلى الصين في  ثمان مناسبات ، من أجل بيع منسوجاتهم القطنية ، دون أن يجدوا تجاوبا مع مطمحهم ، وذلك بسبب كون الاقتصاد الصيني في تلك الفترة كان ما يزال اقتصادا طبيعيا ، لا يحتاج إلى البضائع الغربية ، ولا يتوفر على فائض من النقود لشرائها . وزاد من حدة هذا الواقع ، سياسة الاحتراز التي نهجتها الحكومة الصينية إزاء الأجانب ، لما أوقفت التعامل التجاري معهم على ميناء واحد ، هو ميناء قوانغتشو ، وفرضت أن تكون أعمال التبادل التجاري معهم على يد تجار صينيين وسطاء ، هم " تجار الهانغ " الذين كان عملهم يحتاج إلى إذن خاص من الحكومة.  وتشير أرقام المبادلات البريطانية / الصينية ، أواخر القرن الثامن عشر ، إلى رجحان الميزان التجاري لصالح الصين ، حيث كانت  قيمة مشتريات شركة الهند الشرقية البريطانية من الشاي الصيني ، تفوق قيمة مبيعاتها للصينيين من منتوجات صوفية ومعدنية وقطنية . ومن أجل الانتفاع من وراء السوق الصينية ، سعى البريطانيون لدى حكومة تشينغ ، بعدة وسائل ، من أجل فتح موانئ صينية أخرى في وجه تجارتهم ، والسماح لهم بالتجارة الحرة ، حيث قدم " اللورد مكارتني " ، الذي أرسلته الحكومة البريطانية إلى الصين ، سنة 1793 ، للتفاوض مع حكومتها في الشأن التجاري ، مطلبا بفتح ثلاثة موانئ هي : تيانجين ، ودينغهاي ، ونينغبوه ، في وجه التجارة البريطانية ، إضافة إلى ميناء قوانغتشو المفتوح ، كما طالب الحكومة الصينية بالتخلي عن أكبر جزر تشوشان ، وبتخفيض التعريفة الجمركية ، والسماح بنشر المسيحية في الصين .  وقدم " اللورد إمهيرست " ، مبعوث البريطانيين سنة 1816 ، نفس المطالب ، غير أن طلبه رفض ، مثلما رفض طلب سابقه ، من قبل الحكومة الصينية التي رأت في الأمر انتهاكا لحرمة بلدها.

وفي سياق بحث البريطانيين عن وسيلة تغير توازن التجارة مع الصين لصالحهم ، اهتدوا منذ أواخر  القرن الثامن عشر ومطلع التاسع عشر إلى تجارة غير عادية وغير شرعية ، وهي تصدير مادة الأفيون إلى الصين . لقد تبنت شركة الهند الشرقية فكرة تصدير الأفيون إلى هذا البلد ، فحصلت على حق احتكار تجارته في الهند من الحكومة البريطانية ، كما حصلت على حق تصنيعه وحق احتكار إنتاجه ، فضاعفت جهودها من أجل إنتاج أفيون ملائم لأذواق المدمنين الصينيين ، وجهودها من أجل تعبئته وتسهيل تهريبه ، وكذا من أجل بيعه في المزاد علانية في " كلكوتا " ، حيث كان المضاربون يهربونه من هناك نحو الصين ، فارتفعت ، مع بداية القرن التاسع عشر ، صادرات الأفيون من الهند البريطانية ، الى الصين ارتفاعا متسارعا ، وتزايد عدد الصناديق المهربة منه تزايدا ملفتا . ورغم أن هذه التجارة كانت غير شرعية وسرية ، فإن البريطانيين سرعان ما روجوا لها في الصين ، فأصبحت شبه علنية ، عن طريق اختراق عدد من الموظفين الصينيين ، وعن طريق الرشوة ، والتحايل على إجراءات المنع ، فاستمر التهريب على نحو متزايد ، وأصبحت تجارة الأفيون منتشرة في جميع مدن الصين الكبيرة والمتوسطة ، وارتفع ، بذلك ، عدد المدمنين ، لترتفع من ورائه الكمية المستوردة سنويا.

وقد درت تجارة الأفيون على شركة الهند البريطانية ، وعلى حكومة الهند الاستعمارية البريطانية وعلى بريطانيا ، وتجار الأفيون البريطانيين ، أرباحا خيالية ،  وبعد أن كان البريطانيون ، قبل هذه التجارة ، ينفقون كل سنة مبالغ مالية كبرى  على شراء الحرير والشاي من الصين ، أصبحت عائدات تجارة الأفيون تكفيهم لشراء كميات ضخمة من تلك المواد ، وأصبح الميزان التجاري لصالحهم ، كما شكلت هذه التجارة مصدر ثروة للبرجوازية البريطانية ، وللدخل الإجمالي للحكومة البريطانية . ومنذ سنة 1784 ، شارك الأمريكيون في تهريب الأفيون إلى الصين ، حيث كانوا يشترونه من تركيا وإيران قصد بيعه هناك . ومثلما استفاد البريطانيون من هذه التجارة ، غير الشرعية ، استفاد منها الأمريكيون ، كذلك ، وجنوا منها ثروات هائلة.

وقد نمت تجارة الأفيون بين سنوات 1824 ـ 1834 ، نموا كبيرا ، تزايد بعد سنة 1834 . فبعد إلغاء احتكار شركة الهند الشرقية ، للتجارة مع الصين من طرف الحكومة البريطانية ، وتحويل هذه الشركة إلى مؤسسة إدارية بحتة ، في تلك السنة ، اندفع التجار البريطانيون في تجارة الأفيون بحماس وهمة كبيرين وارتفعت كمية المقادير المهربة ، لترتفع على إثرها مداخيل المهربين.


انعكاسات تجارة الأفيون على الصين


أما انعكاسات هذه التجارة على الصين ، فكانت شديدة السلبية في ثلاثينيات القرن التاسع عشر ، حيث انجرت عنها كوارث على كل المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية . فارتفاع الوارد من هذا المخدر عمم الإدمان عليه من الأرستقراطيين والموظفين وملاك الأراضي والتجار والأغنياء الذين شكلوا الفئات المتعاطية ، قبل هذه الفترة ، إلى كل أتباع الطبقة الحاكمة ، على كل المستويات الإدارية والعسكرية والدينية ، ثم إلى عدد من الفئات المهمشة ،  فوصل عدد المدمنين ، حسب تقدير يعود إلى 1835 ، أكثر من مليوني مدمن . وبانتشار هذه التجارة التي وصفت ، على المستوى الأخلاقي ،  بأنها كانت أقل رحمة من المتاجرة بالرقيق ، انتشرت في أوساط المجتمع الصيني مختلف الأمراض الجسدية والنفسية والأخلاقية . فعلى المستوى الاقتصادي ، قلبت تجارة الأفيون رجحان توازن الميزان التجاري من صالح الصين إلى صالح البريطانيين ، ولم تصبح صادرات الصين من شاي وحرير خام وقماش وعقاقير طبية ، عاجزة على تسديد نفقات الأفيون فقط ، بل إن الأقمشة القطنية والصوفية الإنجليزية نجحت ، بالإضافة إلى ذلك ، في غزو السوق الإنجليزية ، منذ ما بعد سنة 1835 ، وهو الغزو الذي أحدث ضررا  كبيرا  بأوساط حرفة الغزل وحرفة الحياكة. وعلى المستوى المالي تزايد تدفق العملة الفضية الصينية إلى الخارج مع ارتفاع كميات تهريب الأفيون ، كما تم استنزاف خمس المقدار الإجمالي للفضة المتداولة في الصين في ظرف عشرين سنة ( 1821 ـ 1840 ) ، وأدى تدفق الفضة المتواصل إلى الخلل والاضطراب في التداول النقدي وفي شؤون الخزينة ، وتضاعفت الأزمة المالية ، وعجز الفلاحون والحرفيون عن دفع الضرائب بشكل أثر على مداخيل الدولة . وعلى المستوى الإداري والعسكري والسياسي ، أدى انتشار إدمان الأفيون بين الموظفين وداخل صفوف الجيش ،  إلى تأثير سيء على جميع الأجهزة الحاكمة . وزاد انتشار الرشوة المرتبط بالتهريب من حدة ذلك الفساد . فقد أفسد البريطانيون السلطات الإمبراطورية وموظفي الجمارك ، وكل الموظفين في الأقاليم الجنوبية بالرشوة . وجمع أولئك الموظفون المرتشون ثروات كبيرة ، إلا أن ذلك كان على حساب هيبة الدولة ، فقد هدمت الرشوة دعامة النموذج البطريركي للسلطة في الصين وقوضته بالتدريج ، إذ بقدر ما كان الأفيون ينتشر في الصين ، بقدر ما كان الإمبراطور وحاشيته من كبار الموظفين يفقدون سلطاتهم.


حرب الأفيون الأولى وتقويض المجتمع الإقطاعي


أصبحت مشكلة الأفيون في ثلاثينيات القرن التاسع عشر مصدر اهتمام الطبقة الحاكمة ، بسبب ما أثارته من مشاكل . وتجدر الإشارة إلى أن الحكومة الصينية ما فتئت منذ بداية هذه التجارة ، تحاول عرقلتها ومنعها ، حيث أصدرت سنة 1796 قانونا يعاقب الصينيين المشاركين في تهريب الأفيون ، ومنعت بداية القرن التاسع عشر استيراد هذا المخذر من قبل الأجانب ، كما منعت استهلاكه من قبل الصينيين ، ومنعت تجار الهانغ ومساعيهم من تسهيل عملية التهريب للأجانب . غير أن هذه الإجراءات تعرضت لنوع من التحايل من قبل شركة الهند الشرقية ومن قبل التجار البريطانيين ، الذين كان همهم هو امتياز الشراء في أرخص الأسواق والبيع في أغلاها .

وفي سنة 1837 ، وجدت الحكومة الصينية نفسها في وضع عصيب ، يحتاج إلى تدابير حازمة ، فانقسم موظفو حكومة تشينغ بشأن المسألة إلى فريقين ، اقترح أحدهما ضرورة إجراءات صارمة لحظر تجارة الأفيون ، واقترح الثاني السماح بتلك التجارة وتشريعها بخطة تقود إلى انحلالها بالتدريج ، مع نوع من التشديد حول التعاطي في حق موظفي الحكومة والجنود . ويظهر أن أغلب المؤيدين لحرية التجارة في الأفيون كانوا من الفئات المستفيدة من تهريبه . وقد انتهت المناقشة بميل الإمبراطور إلى اقتراحات الفريق المعارض لهذه التجارة ، متأثرا برأي أحد الموظفين هو " لين تسيه شوي " الذي كان يرى " أن الأفيون مؤذ للغاية ، ويجب أن يباد بلا هوادة "   وأعلن عن تخوفه ، إذا استمرت تجارة الأفيون ، من " أن لا يظل لدى الصين ، خلال عقود قليلة ، جنود قادرون على مقاومة أعدائها ، وفضة تكفي لتمويل قواتها المسلحة " . فقد استدعى الإمبراطور هذا الموظف ، وعينه مندوبا وقائدا للقوات البحرية في قوانغدونغ للقضاء على الأفيون في ميناء قوانغتشو ، الذي وصل إليه في مارس من سنة 1839 . ونفذ به مجموعة من الإجراءات ، طالب من خلالها التجار الأجانب بتسليم قائمة جرد بما لديهم من أفيون ، وتقديمه من أجل الإتلاف ، وكذا بتوقيعهم على تعهد بعدم جلب الأفيون إلى الصين . كما طالب كل سفينة تجارية أجنبية تدخل ميناء قوانغتشو بالتوقيع على تعهد بأنها لا تحمل أفيونا إلى الصين ، وفي حالة خرق هذا التعهد تصادر حمولة السفينة ويعاقب بالإعدام ، كل المشاركين في العملية.

حروب الأفيون

وقد كان إصرار " لين تسيه شوي " على القضاء على تجارة الأفيون ذريعة استخدمها البريطانيون في إعلان حرب على الصين ، عرفت باسم " حرب الأفيون " ، حيث اعتبر المدير الأعلى للتجارة البريطانية في الصين ، وممثل الحكومة البريطانية " تشارلز إليوت " ، إجراءات هذا الموظف الصيني ، مسا بمصالح الإنجليز ، وطالب بتوجيه ضربة مفاجئة للصينيين . وفي بريطانيا طالبت الشركات والتجار وكل من له مصلحة من وراء تجارة الأفيون ، بإجراء حاسم وفعال ضد الصين عن طريق توجيه ضربة شديدة لها . وبناء على هذا تقرر في اجتماع لمجلس الوزراء البريطاني ، انعقد بتاريخ 1 أكتوبر 1839 ، إعلان الحرب على هذا البلد ، وكونت الحكومة  ، في أبريل 1840 ، قوة بحرية كبرى بقيادة الأميرال " جورج إليوت " ، هاجمت مجموعة من المدن الصينية أبتداء من يونيو 1840 ، مسجلة بداية " حرب الأفيون " التي استمرت إلى سنة 1842 ، عبر عدد من المعارك والمواجهات في أمكنة متعددة ، استولى فيها البريطانيون على عدد من المدن الموانئ ، ومجموعة من الحصون ، تعرضت كلها للسلب والنهب ، كما تعرض سكانها للتنكيل . ورغم أن الحاميات العسكرية الصينية حاربت بعنف ، فإن نقص الإمدادات وتعليمات بعض الموظفين الكبار المناهضين للحرب ، جعلها تتراجع ، وإلى جانب هذه الحاميات كانت بعض مظاهر المقاومة الشعبية ، من ضمنها مقاومة سكان قرية " سانيوانلي " المجاورة لقوانغتشو من الشمال . غير أن عدم تكافؤ القوة ، وعدم صفاء سريرة  بعض الموظفين الحكوميين الكبار ، واضطراب القيادة الصينية وتخبطها ، جعل الحكومة الصينية تستسلم للخصم ، الذي أملى على المسئولين الصينيين شروط صلح مجحفة في إطار معاهدة غير متكافئة ، هي " معاهدة نانجينغ ".


تعليقات