![]() |
| Opium trade in China |
الأطماع الغربية واضطراب المجتمع الصيني
تجارة الأفيون وانعكاساتها السلبية على الصين
فتحت سيطرة البريطانيين على التجارة مع بلاد الهند شهيتهم تجاه الصين ، منذ أواخر القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر . إذ تعود محاولاتهم للمتاجرة مع الصينيين بين سنة 1786 وسنة 1829 ، إلى وصول التجار البريطانيين إلى الصين في ثمان مناسبات ، من أجل بيع منسوجاتهم القطنية ، دون أن يجدوا تجاوبا مع مطمحهم ، وذلك بسبب كون الاقتصاد الصيني في تلك الفترة كان ما يزال اقتصادا طبيعيا ، لا يحتاج إلى البضائع الغربية ، ولا يتوفر على فائض من النقود لشرائها . وزاد من حدة هذا الواقع ، سياسة الاحتراز التي نهجتها الحكومة الصينية إزاء الأجانب ، لما أوقفت التعامل التجاري معهم على ميناء واحد ، هو ميناء قوانغتشو ، وفرضت أن تكون أعمال التبادل التجاري معهم على يد تجار صينيين وسطاء ، هم " تجار الهانغ " الذين كان عملهم يحتاج إلى إذن خاص من الحكومة. وتشير أرقام المبادلات البريطانية / الصينية ، أواخر القرن الثامن عشر ، إلى رجحان الميزان التجاري لصالح الصين ، حيث كانت قيمة مشتريات شركة الهند الشرقية البريطانية من الشاي الصيني ، تفوق قيمة مبيعاتها للصينيين من منتوجات صوفية ومعدنية وقطنية . ومن أجل الانتفاع من وراء السوق الصينية ، سعى البريطانيون لدى حكومة تشينغ ، بعدة وسائل ، من أجل فتح موانئ صينية أخرى في وجه تجارتهم ، والسماح لهم بالتجارة الحرة ، حيث قدم " اللورد مكارتني " ، الذي أرسلته الحكومة البريطانية إلى الصين ، سنة 1793 ، للتفاوض مع حكومتها في الشأن التجاري ، مطلبا بفتح ثلاثة موانئ هي : تيانجين ، ودينغهاي ، ونينغبوه ، في وجه التجارة البريطانية ، إضافة إلى ميناء قوانغتشو المفتوح ، كما طالب الحكومة الصينية بالتخلي عن أكبر جزر تشوشان ، وبتخفيض التعريفة الجمركية ، والسماح بنشر المسيحية في الصين . وقدم " اللورد إمهيرست " ، مبعوث البريطانيين سنة 1816 ، نفس المطالب ، غير أن طلبه رفض ، مثلما رفض طلب سابقه ، من قبل الحكومة الصينية التي رأت في الأمر انتهاكا لحرمة بلدها.
وفي سياق بحث البريطانيين عن وسيلة تغير توازن التجارة مع الصين لصالحهم ، اهتدوا منذ أواخر القرن الثامن عشر ومطلع التاسع عشر إلى تجارة غير عادية وغير شرعية ، وهي تصدير مادة الأفيون إلى الصين . لقد تبنت شركة الهند الشرقية فكرة تصدير الأفيون إلى هذا البلد ، فحصلت على حق احتكار تجارته في الهند من الحكومة البريطانية ، كما حصلت على حق تصنيعه وحق احتكار إنتاجه ، فضاعفت جهودها من أجل إنتاج أفيون ملائم لأذواق المدمنين الصينيين ، وجهودها من أجل تعبئته وتسهيل تهريبه ، وكذا من أجل بيعه في المزاد علانية في " كلكوتا " ، حيث كان المضاربون يهربونه من هناك نحو الصين ، فارتفعت ، مع بداية القرن التاسع عشر ، صادرات الأفيون من الهند البريطانية ، الى الصين ارتفاعا متسارعا ، وتزايد عدد الصناديق المهربة منه تزايدا ملفتا . ورغم أن هذه التجارة كانت غير شرعية وسرية ، فإن البريطانيين سرعان ما روجوا لها في الصين ، فأصبحت شبه علنية ، عن طريق اختراق عدد من الموظفين الصينيين ، وعن طريق الرشوة ، والتحايل على إجراءات المنع ، فاستمر التهريب على نحو متزايد ، وأصبحت تجارة الأفيون منتشرة في جميع مدن الصين الكبيرة والمتوسطة ، وارتفع ، بذلك ، عدد المدمنين ، لترتفع من ورائه الكمية المستوردة سنويا.
وقد درت تجارة الأفيون على شركة الهند البريطانية ، وعلى حكومة الهند الاستعمارية البريطانية وعلى بريطانيا ، وتجار الأفيون البريطانيين ، أرباحا خيالية ، وبعد أن كان البريطانيون ، قبل هذه التجارة ، ينفقون كل سنة مبالغ مالية كبرى على شراء الحرير والشاي من الصين ، أصبحت عائدات تجارة الأفيون تكفيهم لشراء كميات ضخمة من تلك المواد ، وأصبح الميزان التجاري لصالحهم ، كما شكلت هذه التجارة مصدر ثروة للبرجوازية البريطانية ، وللدخل الإجمالي للحكومة البريطانية . ومنذ سنة 1784 ، شارك الأمريكيون في تهريب الأفيون إلى الصين ، حيث كانوا يشترونه من تركيا وإيران قصد بيعه هناك . ومثلما استفاد البريطانيون من هذه التجارة ، غير الشرعية ، استفاد منها الأمريكيون ، كذلك ، وجنوا منها ثروات هائلة.
وقد نمت تجارة الأفيون بين سنوات 1824 ـ 1834 ، نموا كبيرا ، تزايد بعد سنة 1834 . فبعد إلغاء احتكار شركة الهند الشرقية ، للتجارة مع الصين من طرف الحكومة البريطانية ، وتحويل هذه الشركة إلى مؤسسة إدارية بحتة ، في تلك السنة ، اندفع التجار البريطانيون في تجارة الأفيون بحماس وهمة كبيرين وارتفعت كمية المقادير المهربة ، لترتفع على إثرها مداخيل المهربين.
انعكاسات تجارة الأفيون على الصين
أما انعكاسات هذه التجارة على الصين ، فكانت شديدة السلبية في ثلاثينيات القرن التاسع عشر ، حيث انجرت عنها كوارث على كل المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية . فارتفاع الوارد من هذا المخدر عمم الإدمان عليه من الأرستقراطيين والموظفين وملاك الأراضي والتجار والأغنياء الذين شكلوا الفئات المتعاطية ، قبل هذه الفترة ، إلى كل أتباع الطبقة الحاكمة ، على كل المستويات الإدارية والعسكرية والدينية ، ثم إلى عدد من الفئات المهمشة ، فوصل عدد المدمنين ، حسب تقدير يعود إلى 1835 ، أكثر من مليوني مدمن . وبانتشار هذه التجارة التي وصفت ، على المستوى الأخلاقي ، بأنها كانت أقل رحمة من المتاجرة بالرقيق ، انتشرت في أوساط المجتمع الصيني مختلف الأمراض الجسدية والنفسية والأخلاقية . فعلى المستوى الاقتصادي ، قلبت تجارة الأفيون رجحان توازن الميزان التجاري من صالح الصين إلى صالح البريطانيين ، ولم تصبح صادرات الصين من شاي وحرير خام وقماش وعقاقير طبية ، عاجزة على تسديد نفقات الأفيون فقط ، بل إن الأقمشة القطنية والصوفية الإنجليزية نجحت ، بالإضافة إلى ذلك ، في غزو السوق الإنجليزية ، منذ ما بعد سنة 1835 ، وهو الغزو الذي أحدث ضررا كبيرا بأوساط حرفة الغزل وحرفة الحياكة. وعلى المستوى المالي تزايد تدفق العملة الفضية الصينية إلى الخارج مع ارتفاع كميات تهريب الأفيون ، كما تم استنزاف خمس المقدار الإجمالي للفضة المتداولة في الصين في ظرف عشرين سنة ( 1821 ـ 1840 ) ، وأدى تدفق الفضة المتواصل إلى الخلل والاضطراب في التداول النقدي وفي شؤون الخزينة ، وتضاعفت الأزمة المالية ، وعجز الفلاحون والحرفيون عن دفع الضرائب بشكل أثر على مداخيل الدولة . وعلى المستوى الإداري والعسكري والسياسي ، أدى انتشار إدمان الأفيون بين الموظفين وداخل صفوف الجيش ، إلى تأثير سيء على جميع الأجهزة الحاكمة . وزاد انتشار الرشوة المرتبط بالتهريب من حدة ذلك الفساد . فقد أفسد البريطانيون السلطات الإمبراطورية وموظفي الجمارك ، وكل الموظفين في الأقاليم الجنوبية بالرشوة . وجمع أولئك الموظفون المرتشون ثروات كبيرة ، إلا أن ذلك كان على حساب هيبة الدولة ، فقد هدمت الرشوة دعامة النموذج البطريركي للسلطة في الصين وقوضته بالتدريج ، إذ بقدر ما كان الأفيون ينتشر في الصين ، بقدر ما كان الإمبراطور وحاشيته من كبار الموظفين يفقدون سلطاتهم.
حرب الأفيون الأولى وتقويض المجتمع الإقطاعي
أصبحت مشكلة الأفيون في ثلاثينيات القرن التاسع عشر مصدر اهتمام الطبقة الحاكمة ، بسبب ما أثارته من مشاكل . وتجدر الإشارة إلى أن الحكومة الصينية ما فتئت منذ بداية هذه التجارة ، تحاول عرقلتها ومنعها ، حيث أصدرت سنة 1796 قانونا يعاقب الصينيين المشاركين في تهريب الأفيون ، ومنعت بداية القرن التاسع عشر استيراد هذا المخذر من قبل الأجانب ، كما منعت استهلاكه من قبل الصينيين ، ومنعت تجار الهانغ ومساعيهم من تسهيل عملية التهريب للأجانب . غير أن هذه الإجراءات تعرضت لنوع من التحايل من قبل شركة الهند الشرقية ومن قبل التجار البريطانيين ، الذين كان همهم هو امتياز الشراء في أرخص الأسواق والبيع في أغلاها .
وفي سنة 1837 ، وجدت الحكومة الصينية نفسها في وضع عصيب ، يحتاج إلى تدابير حازمة ، فانقسم موظفو حكومة تشينغ بشأن المسألة إلى فريقين ، اقترح أحدهما ضرورة إجراءات صارمة لحظر تجارة الأفيون ، واقترح الثاني السماح بتلك التجارة وتشريعها بخطة تقود إلى انحلالها بالتدريج ، مع نوع من التشديد حول التعاطي في حق موظفي الحكومة والجنود . ويظهر أن أغلب المؤيدين لحرية التجارة في الأفيون كانوا من الفئات المستفيدة من تهريبه . وقد انتهت المناقشة بميل الإمبراطور إلى اقتراحات الفريق المعارض لهذه التجارة ، متأثرا برأي أحد الموظفين هو " لين تسيه شوي " الذي كان يرى " أن الأفيون مؤذ للغاية ، ويجب أن يباد بلا هوادة " وأعلن عن تخوفه ، إذا استمرت تجارة الأفيون ، من " أن لا يظل لدى الصين ، خلال عقود قليلة ، جنود قادرون على مقاومة أعدائها ، وفضة تكفي لتمويل قواتها المسلحة " . فقد استدعى الإمبراطور هذا الموظف ، وعينه مندوبا وقائدا للقوات البحرية في قوانغدونغ للقضاء على الأفيون في ميناء قوانغتشو ، الذي وصل إليه في مارس من سنة 1839 . ونفذ به مجموعة من الإجراءات ، طالب من خلالها التجار الأجانب بتسليم قائمة جرد بما لديهم من أفيون ، وتقديمه من أجل الإتلاف ، وكذا بتوقيعهم على تعهد بعدم جلب الأفيون إلى الصين . كما طالب كل سفينة تجارية أجنبية تدخل ميناء قوانغتشو بالتوقيع على تعهد بأنها لا تحمل أفيونا إلى الصين ، وفي حالة خرق هذا التعهد تصادر حمولة السفينة ويعاقب بالإعدام ، كل المشاركين في العملية.
وقد كان إصرار " لين تسيه شوي " على القضاء على تجارة الأفيون ذريعة استخدمها البريطانيون في إعلان حرب على الصين ، عرفت باسم " حرب الأفيون " ، حيث اعتبر المدير الأعلى للتجارة البريطانية في الصين ، وممثل الحكومة البريطانية " تشارلز إليوت " ، إجراءات هذا الموظف الصيني ، مسا بمصالح الإنجليز ، وطالب بتوجيه ضربة مفاجئة للصينيين . وفي بريطانيا طالبت الشركات والتجار وكل من له مصلحة من وراء تجارة الأفيون ، بإجراء حاسم وفعال ضد الصين عن طريق توجيه ضربة شديدة لها . وبناء على هذا تقرر في اجتماع لمجلس الوزراء البريطاني ، انعقد بتاريخ 1 أكتوبر 1839 ، إعلان الحرب على هذا البلد ، وكونت الحكومة ، في أبريل 1840 ، قوة بحرية كبرى بقيادة الأميرال " جورج إليوت " ، هاجمت مجموعة من المدن الصينية أبتداء من يونيو 1840 ، مسجلة بداية " حرب الأفيون " التي استمرت إلى سنة 1842 ، عبر عدد من المعارك والمواجهات في أمكنة متعددة ، استولى فيها البريطانيون على عدد من المدن الموانئ ، ومجموعة من الحصون ، تعرضت كلها للسلب والنهب ، كما تعرض سكانها للتنكيل . ورغم أن الحاميات العسكرية الصينية حاربت بعنف ، فإن نقص الإمدادات وتعليمات بعض الموظفين الكبار المناهضين للحرب ، جعلها تتراجع ، وإلى جانب هذه الحاميات كانت بعض مظاهر المقاومة الشعبية ، من ضمنها مقاومة سكان قرية " سانيوانلي " المجاورة لقوانغتشو من الشمال . غير أن عدم تكافؤ القوة ، وعدم صفاء سريرة بعض الموظفين الحكوميين الكبار ، واضطراب القيادة الصينية وتخبطها ، جعل الحكومة الصينية تستسلم للخصم ، الذي أملى على المسئولين الصينيين شروط صلح مجحفة في إطار معاهدة غير متكافئة ، هي " معاهدة نانجينغ ".
- شاهد ايضا
